الرحلة النسائية إلى الفضاء: إنجاز تاريخي أم ترف غير مجدٍ؟
تزدهر السياحة الفضائية، خصوصاً بعد الرحلة النسائية الأولى منذ 60 عاماً، وسط تساؤلات حول الجدوى الحقيقية لهذه المهمات غير العلمية الباهظة.


في مشهد وُصِفَ بـ «الرمزي والتاريخي»، سافرت ست نساء في وقت سابق هذا الأسبوع، بينهن نجمة البوب كايتي بيري والإعلامية الأميركية غايل كينغ، في رحلة سياحية فضائية استغرقت 11 دقيقة، قطعت حدود الغلاف الجوي إلى ما فوق خط كارمان، على ارتفاع 100 كيلومتر تقريباً، قبل أن تعود بسلام إلى الأرض.
وبين مشاعر الانبهار والمجد والدموع التي انهمرت في موقع الإطلاق بولاية تكساس، تعالت أصوات الاحتفال بهذا الحدث بوصفه أول رحلة فضائية نسائية بالكامل منذ أكثر من ستة عقود، بعد رحلة رائدة الفضاء السوفياتية فالنتينا تيريشكوفا عام 1963.
لكن خلف هذا المشهد الملهم، تلوح تساؤلات أعمق: هل بات الفضاء اليوم مسرحاً للأثرياء؟ وهل تحقق السياحة الفضائية نفعاً حقيقياً للبشرية؟
السياحة إلى الفضاء
بدأ قطاع السياحة الفضائية يُزهر في السنوات الأخيرة، ولم يعد محصوراً في أفلام الخيال العلمي، إذ فتحت الشركات الخاصة، مثل «بلو أوريجن» و«فيرجن غالاكتيك» و«سبايس إكس»، الأبواب أمام المدنيين لدخول الفضاء، وإن كان بثمن باهظ.
وتُعدّ رحلات «بلو أوريجن» و«فيرجن غالاكتيك» شبه مدارية، أي إنها تصل إلى حافة الفضاء من دون أن تدخل في مدار الأرض، وتستغرق عادة أقل من 15 دقيقة. أمّا «سبايس إكس»، فتقدّم تجارب أكثر «إثارة»، كرحلة «إنسبيريشن 4» عام 2021، التي دارت حول الأرض لثلاثة أيام بتمويل من الملياردير جاريد آيزاكمان، والذي سمّاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة وكالة الفضاء الأميركية «ناسا».
وبينما لم تُكشف كلفة الرحلة الأخيرة التي جرت على متن صاروخ «نيو شيبرد» التابع لشركة «بلو أوريجن» التي أسسها الملياردير جيف بيزوس، إلا أنّ التقديرات تشير إلى أنّ سعر المقعد الواحد يصل إلى نصف مليون دولار، فيما تُقدّر تكلفة الرحلات المدارية بـ200 مليون دولار.
-
اعتبرت غايل كينغ الرحلة «لحظة للتاريخ وللأمل»
رفاهية فضائية أم تجربة إنسانية؟
بالنسبة إلى المشاركات الست في الرحلة النسائية الأخيرة، لم تكن التجربة مجرد مغامرة، فمن جهتها وصفتها كايتي بيري بـ«الرحلة الروحية»، فيما اعتبرت غايل كينغ، التي تُعرف بخوفها من الطيران، أنّها «لحظة للتاريخ وللأمل».
لكن رغم الطابع العاطفي والرمزي للحدث، لا يمكن تجاهل الأسئلة التي يثيرها هذا النوع من «السياحة»، فهل الغرض هو استكشاف الكون فعلاً، أم ترويج الذات ضمن عروض نخبوية باهظة التكاليف؟ هل يشارك عامة الناس في هذه التجارب، أم أن الفضاء أصبح امتداداً آخر لفوارق الأرض الطبقية؟
في الوقت الذي تواجه فيه الأرض أزمات بيئية واقتصادية غير مسبوقة، يرى بعض النقاد أنّ هذه الرحلات قد تُستخدم كوسيلة لتلميع صورة الأثرياء، بدلاً من الاستثمار في حلول أكثر إلحاحاً على الكوكب.
لمعرفة المزيد عن الرحلات الفضائية، اقرأ أيضاً: مهمات الفضاء... ثمن باهظ على الجسد والعقل
هل هناك فائدة حقيقية من هذه الرحلات؟
رغم الجدل، يرى مؤيدو السياحة الفضائية أنها بداية ضرورية لخفض تكاليف السفر إلى الفضاء، تماماً كما كانت الطائرات يوماً حكراً على النخبة قبل أن تصبح متاحة للجميع.
من جهتها، تؤكّد الشركات الفضائية الخاصة أنها تسعى إلى تحقيق جدوى اقتصادية عبر تكرار الإطلاقات وتقنيات إعادة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، تقول «بلو أوريجن» إنها تطوّر صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام بهدف تقليل تكلفة السفر إلى الفضاء. لكن الواقع يشير إلى أنّ الطريق طويل قبل أن تصبح هذه الرحلات في متناول العامة.
بحسب خبراء، فإن كل رحلة لـ«نيو شيبرد» تكلف ما بين مليون إلى 3 ملايين دولار، ما يعني أن استمرار هذا النموذج يتطلّب أسعاراً باهظة، أو دعماً مالياً ضخماً من المستثمرين الأثرياء.
الفضاء ليس بعيداً، لكنه ليس للجميع بعد
ما حدث في تكساس كان لحظة ملهمة ومبهجة، لكن لا ينبغي أن تُغفل الأسئلة عمّن يمتلك الحق في السفر إلى الفضاء، ولأي غاية. حتى الآن، تبقى السياحة الفضائية حلماً للنخبة، رغم ما تحمله من وعود علمية ورمزية.
ولعل الرحلة النسائية الأخيرة، بما حملته من مشاعر إنسانية ورسائل أمل، تُشكّل بداية نقاش أوسع عن مستقبل الفضاء، لا بوصفه ساحة للمغامرة الفردية، بل كجزء من مصير مشترك تتقاسمه البشرية.
