الصين تُقارع القوى العظمى... في الفضاء
استحال الفضاء حلبة سباق بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر، إذ يسعى كلٌّ منهما إلى التفوّق في المجالات المختلفة، ما فتح باب العودة إلى القمر للمرّة الأولى منذ عام 1972.


تتهيّأ الصين هذا الأسبوع لإطلاق مهمة فضائية مأهولة جديدة ضمن سلسلة طموحاتها المتسارعة في مجال الفضاء، والتي تهدف في نهاية المطاف إلى إرسال روّاد فضاء إلى سطح القمر بحلول عام 2030، وإنشاء قاعدة دائمة هناك، ضمن مسار تتجاوز أهميته المصلحة العلمية والتكنولوجية، إذ يشكّل انعكاساً للحرب التجارية والتكنولوجية الملتهبة بينها وبين الولايات المتحدة.
ومن المرتقب أن تنطلق المهمة الجديدة التي تحمل اسم «شنتشو-20» من مركز جيوكوان لإطلاق الأقمار الاصطناعية، الواقع في صحراء غوبي شمال غرب البلاد، علماً أنّ المركبة ستحمل ثلاثة روّاد فضاء، على أن يتوجهوا إلى محطة «تيانغونغ» الفضائية الصينية، حيث يُفترض أن يبقوا فيها لمدة تصل إلى ستة أشهر.
تكتم رسمي
رغم الاستعدادات المتقدمة، لم تُعلن السلطات حتى الآن عن تفاصيل المهمات العلمية التي سيُكلّف بها الفريق الجديد داخل المحطة، كما لم تُكشف هوية الروّاد رسمياً إلا قبل أيام قليلة من الإطلاق.
ووفقاً لـ«وكالة الفضاء الصينية» (CMSA)، فإن مركبة «شنتشو» وصاروخها الحامل «لونغ مارش-2إف» نُقلا إلى منصة الإطلاق، كما إنّها تُجري حالياً اختبارات وظيفية وفنية على الأنظمة، ووصفت الوكالة حالة المعدات بأنها «جيدة جداً».
-
تُدير الصين محطة «تيانغونغ» الفضائية بالكامل
سباق فضائي
تُعد هذه المهمة جزءاً من خطة طويلة الأمد تسعى عبرها الصين إلى التحوّل إلى قوة فضائية رائدة، بعد أن باتت ثالث دولة في العالم تطلق البشر إلى المدار، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا. وقد نجحت بالفعل في إنجازات لافتة، من بينها إرسال مركبات غير مأهولة إلى المريخ والقمر، وإنزال روبوت على الجانب البعيد من القمر في عام 2019، في سابقة عالمية.
ويأتي هذا النشاط المتسارع في ظل دعم سياسي واسع من القيادة الصينية، وعلى رأسها الرئيس شي جين بينغ، الذي جعل من برنامج الفضاء جزءاً من مشروع «نهضة الأمة الصينية».
«تيانغونغ»... تجربة صينية مستقلة
بدأ بناء محطة «تيانغونغ» الفضائية عام 2021 بإطلاق الوحدة الأساسية «تيانهي» التي تُدار بالكامل من قِبل الصين من دون تعاون مباشر مع وكالات الفضاء الغربية، علماً أنّ بناءها أتى ضمن السباق الصيني-الأميركي في مجال الفضاء، خصوصاً في ظلّ عزل الصين عن «محطة الفضاء الدولية»، ما شجعها على إنشاء محطتها الخاصة.
وتضمّ المحطة فرقاً من ثلاثة روّاد يُستبدلون كل ستة أشهر، ويعملون في إجراء تجارب علمية متقدمة في بيئة الجاذبية الصغرى. وقد أُطلقت آخر مهمة مأهولة، «شنتشو-19»، في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، ويُفترض أن تنتهي في 29 نيسان (أبريل) الجاري، مع عودة الطاقم السابق إلى الأرض.
لمعرفة المزيد عن المهمات الفضائية، اقرأ أيضاً: مهمات الفضاء... ثمن باهظ على الجسد والعقل
القمر نصب الأعين
رغم أنّ الأهداف المُعلنة تدور حول استكشاف الفضاء وإجراء تجارب علمية، إلا أن طموحات الصين تتجاوز المدار الأرضي المنخفض. فهي تهدف إلى إرسال أول مهمة مأهولة إلى القمر قبل نهاية هذا العقد، تمهيداً لبناء قاعدة قمرية، في خطوة يُعتقد أنها قد تُغيّر موازين القوى في الفضاء، ما ينعكس عليها على الأرض أيضاً، بما يُشبه ما حدث إبان سباق الوصول إلى القمر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، سباقٌ انتهى بفوز الأولى بالنصر المعنوي الذي شكّل ركيزة للدعاية الإعلامية بأن تقنياتها «أفضل» من الجانب السوفياتي، لينتهي التنافس لاحقاً بانهيار الاتحاد السوفياتي من داخله. هذه التجربة التاريخية تُمثّل حافزاً مصيرياً للطرفين الأميركي والصيني، اللذين يوليان أهمية قصوى للمسار الفضائي ضمن التنافس القائم في معظم المجالات.
وبعد أكثر من خمسين عاماً على آخر زيارة بشرية إلى سطح القمر، تأهّبت القوتان العظيمتان للوصول إلى القمر ضمن جدول زمني لا يتخطّى نهاية العقد الحالي.
لكنّ وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» تُعاني من تخبّط في خططها بسبب قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أنشأ مشروع «أرتميس» خلال ولايته الأولى للعودة إلى القمر، ثمّ عاد في ولايته الحالية ليُقيل أبرز مسؤولي «ناسا» من أجل تعيين بدائل تخدم الأولويات الجديدة، والتي يُصادف أنها تتناسب مع حليفه الوثيق، مالك شركة «سبايس إكس»، إيلون ماسك، بالذهاب إلى كوكب المريخ عوضاً عن تسخير الموارد للوصول إلى القمر. وبينما يتباطأ المسار الأميركي، تستثمر الصين مليارات الدولارات في برنامجها الفضائي، لتصبح اليوم لاعباً رئيسياً في مجال يُعدّ حيوياً للمستقبل التكنولوجي والعلمي والعسكري، كما يُمكن أن يُساند سياسياً مسعى الصين في نقل العالم من الأحادية إلى التعدّدية القطبية التي تعترف بمصالح المعسكر الشرقي.
