الصين «تُجنّد» الجنوب العالمي فضائياً
تمضي الصين بخطوات ثابتة نحو مقارعة ريادة أميركا الفضائية، محوّلةً عزلتها إلى فرصة للنهوض بالدول الطموحة المهمّشة، ما يُهدّد هيمنة الغرب في هذا المجال.


يبدو أنّ الصين ارتأت تغيير نمط التقوقع الداخلي ونقل المعركة الإعلامية إلى الساحة الداخلية الأميركية التي تراقب الآثار المترتبة على «عدوانية» إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه غالبية الدول العظمى، وخصوصاً الصين.
وتجلّى هذا التحوّل عبر تصريح نادر لوسائل إعلام أجنبية، أمس الأربعاء، اتّهم فيه كبير مصممي البرنامج الصيني لاستكشاف القمر، وو ويران، الولايات المتحدة بالتدخل المباشر في محاولات بكين لتوسيع تعاونها الفضائي مع دول أوروبا وغيرها من الشركاء الأجانب. كما أكّد ويران أن الصين تنتهج سياسة «ديبلوماسية فضائية منفتحة»، في مقابل ما وصفه بنهج أميركي يعرقل هذه الشراكات، لا سيما في البرامج المتعلقة باستكشاف القمر.
إضافة إلى ذلك، لفت ويران إلى أنّ «محطة الأبحاث القمرية الدولية» (ILRS)، التي تقودها الصين بالشراكة مع روسيا، «تتقدّم بخطى جيدة»، إذ انضمت إليها حتى الآن 17 دولة ومنظمة دولية. لكنه أشار إلى أن هذا العدد لا يزال أقل بكثير من عدد الشركاء في برنامج القمر الأميركي «أرتميس»، الذي تجاوز عدد الموقعين عليه الخمسين، عازياً ذلك إلى تدخلات أميركية قال إنها «تعوق التعاون مع الصين، حتى مع دول أوروبا».
محطة أبحاث على القمر
وفي سياق توسيع مشاريعها الفضائية رغم التضييق الأميركي، كشفت الصين، أمس الأربعاء، أيضاً عن خطة طموحة لبناء مفاعل نووي على سطح القمر بالتعاون مع روسيا، لتزويد «محطة الأبحاث القمرية الدولية» (ILRS) بالطاقة اللازمة. ويهدف المشروع إلى دعم تشغيل قاعدة مأهولة دائمة على القمر بحلول عام 2035.
وخلال عرض تقني أُقيم في مؤتمر دولي بشنغهاي، استعرض كبير مهندسي مهمة «تشانغ آه 8» لعام 2028، باي تشاوي، خططاً لبناء شبكة من الألواح الشمسية والكابلات على سطح القمر، إلى جانب احتمال الاعتماد على الطاقة النووية، وهو ما أكّد عليه وو ويران نفسه، مشيراً إلى أنّ روسيا تمتلك خبرات رائدة عالمياً في هذا المجال.
ويأتي هذا التعاون في ظل عزلة تكنولوجية متزايدة تواجهها روسيا منذ غزوها لأوكرانيا، ما جعل التعاون مع الصين في الفضاء أكثر أهمية لموسكو. في المقابل، ترى بكين في هذا المشروع خطوة حاسمة لتثبيت وجودها في الفضاء القمري، خصوصاً في ظل التنافس المتسارع مع برنامج «أرتميس» الأميركي الذي يطمح إلى إعادة روّاد فضاء إلى سطح القمر في عام 2027.
كما أعلنت الصين عن مشروع طموح جديد باسم «مشروع 555»، يهدف إلى إشراك 50 دولة، و500 مؤسسة بحثية، و5000 باحث دولي في تطوير محطة ILRS.
-
ستستقبل محطة «تيانغونغ» رواد فضاء أجانب قريباً
رحلة جديدة إلى محطة «تيانغونغ»
وفي إطار برنامجها الفضائي المأهول، تستعد الصين، اليوم الخميس، لإطلاق مهمة «شنتشو-20» إلى محطة «تيانغونغ» المدارية، حاملة ثلاثة روّاد فضاء، بينهم اثنان في أول مهمة لهما. وتشمل مهمات الطاقم تنفيذ تجارب علمية في علوم الحياة والفضاء، إلى جانب تركيب معدات للحماية من الحطام الفضائي.
تحمل الرحلة أيضاً رمزية سياسية وعلمية خاصة، إذ تأتي في سياق انفتاح صيني متزايد على إشراك دول أخرى في مهماتها الفضائية، مثل باكستان، التي أعلنت أخيراً عن اختيار قائمة أولية من روّادها، لتبدأ الصين تدريب اثنين منهم، على أن يُرسل أحدهما إلى الفضاء في تشرين الأول (أكتوبر) من العام المقبل.
يُذكر أنها ستكون المرة الأولى التي يدخل فيها رائد فضاء أجنبي محطة «تيانغونغ» الصينية، ما يعكس رغبة بكين في تعزيز حضورها الدولي كمركز للتعاون الفضائي المفتوح.
لمعرفة المزيد عن مشاريع الوصول إلى القمر، اقرأ أيضاً: حاشية ترامب لا تريد العودة إلى القمر
في مواجهة التحديات السياسية الأميركية
رغم التقدّم الكبير الذي أحرزته الصين في برامجها الفضائية، لا تزال تواجه تحديات سياسية كبرى، أبرزها القيود الأميركية المفروضة بموجب ما يُعرف بـ«تعديل وولف»، والذي يحظر على «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا) التعاون مع الصين من دون موافقة خاصة من الكونغرس. كما أثّرت هذه القيود في قدرة الصين على جذب شركاء أوروبيين، خصوصاً بعد انسحاب «وكالة الفضاء الأوروبية» من مشاريع القمر المشتركة، بسبب مشاركة روسيا فيها.
لكن رغم هذه العوائق، تواصل الصين بناء مشروعها الفضائي بخطى واثقة، مستندة إلى قدراتها التكنولوجية المتنامية، وشراكاتها الجديدة مع دول الجنوب العالمي. وبينما تتصاعد حدّة التنافس الدولي في الفضاء، يبدو أن بكين عازمة على إثبات أن الطريق إلى القمر لا يجب أن يمرّ حصرياً عبر واشنطن.
