«إنتل» أمام اختبار حاسم
يقف العملاق الأميركي عند أخطر مفترق طرق منذ تأسيسه، بين التراجع أمام المنافسين أو استنهاض إستراتيجية تتيح لها اللحاق بركب الرائدين في هذا المجال المتنامي.


في لحظة حساسة من تاريخها، وجدت شركة «إنتل» نفسها أمام تحديات متزايدة تتشابك فيها الأبعاد الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية. وأمام هذا الواقع، ظهر للمرة الأولى منذ تعيينه مديرًا تنفيذياً للشركة، ليب بو تان، مقدّماً صورة صريحة عن واقع الشركة، ومحذّراً من أرباح مخيّبة للآمال في الربع الثاني، وسط تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.
نتائج متباينة وضغوط اقتصادية
رغم تحقيق «إنتل» إيرادات بلغت 12.67 مليار دولار في الربع الأول، وهو رقم تجاوز توقّعات المحلّلين، فإنها توقعت إيرادات تراوح بين 11.2 و12.4 مليار دولار في الربع الثاني، أي أقل من التقديرات التي بلغت 12.82 مليار دولار. هذه التوقّعات أثارت مخاوف المستثمرين، وأدّت إلى انخفاض أسهم الشركة بنسبة 5% في التداولات الممتدة.
وحول هذه النظرة التشاؤمية، أشار المدير المالي لـ«إنتل»، ديفيد زينسنر، إلى أنّ الطلب القوي في الربع الأوّل كان مدفوعاً بتخزين العملاء للرقائق تحسباً لتداعيات ارتفاع الرسوم الجمركية، ما يعني أن الأداء المستقبلي قد يتأثر سلباً عندما يتراجع هذا الطلب المؤقت.
وفي ظل تشديد السياسات التجارية، يواجه قطاع أشباه الموصلات الأميركي خطر تباطؤ اقتصادي، وربما ركود فعلي. فبحسب زينسنر، فإنّ «البيئة التنظيمية في الولايات المتحدة وخارجها زادت من احتمالات حدوث تباطؤ اقتصادي».
-
انخفضت أسهم الشركة بنسبة 5%
إجراءات تقشّفية داخلية وتغيير ثقافي جذري
في محاولة لاستعادة بوصلة الابتكار وتحقيق الانضباط المالي، كشف المدير التنفيذي، ليب بو تان، عن خطة شاملة لإعادة هيكلة ثقافة العمل داخل «إنتل». وتشمل هذه الخطة تقليص البيروقراطية الإدارية، وتقليل الاجتماعات، وإلزام الموظفين بالعودة إلى المكاتب أربعة أيام في الأسبوع ابتداءً من الأول من أيلول (سبتمبر) المقبل.
كما أعلنت الشركة عن خفض الإنفاق التشغيلي لعام 2025 إلى 17 مليار دولار (بعد أن كان 17.5 ملياراً)، وخفض آخر إلى 16 ملياراً في عام 2026، بالإضافة إلى تقليص نفقاتها الرأسمالية المستهدفة إلى 18 مليار دولار. وفيما لم توضّح الشركة بعد تأثيرات هذه القرارات على أعداد الموظفين، أشار تان إلى أنّ تقليص القوى العاملة بات أمراً لا مفر منه.
تحالفات حذرة في ظل التوترات
رغم تصاعد الخلافات التجارية بين الطرفين، إلا أنّ تان التقى أخيراً مع المدير التنفيذي لشركة TSMC التايوانية، سي سي وي، ورئيسها السابق ومؤسسها، موريس تشانغ، في مسعى إلى استكشاف فرص التعاون. وبينما رفضت TSMC التعليق على تفاصيل محدّدة، أكدت أنّ «إنتل» كانت وما تزال شريكاً طويل الأمد.
لكنّ هذه المحادثات تأتي في وقت حساس جداً. فالصين، التي تمثل أكبر أسواق «إنتل»، أعلنت عن فرض رسوم تصل إلى 85% على الرقائق الأميركية، علماً بأنها تستورد سنوياً ما يقرب من 10 مليارات دولار من الرقائق الأميركية، 8 مليارات منها عبارة عن وحدات معالجة مركزية تصنّعها «إنتل».
-
اجتمع المدراء التنفيذيون لـ«إنتل» وTSMC
محاولة جديدة لدخول سباق الذكاء الاصطناعي
أما على صعيد البيت الأميركي الداخلي، فيُعدّ أحد أبرز إخفاقات «إنتل» خلال العقد الماضي فشلها في منافسة «إنفيديا» في سوق الذكاء الاصطناعي سريع النمو. وبينما اعتمدت «إنتل» في السابق على الاستحواذ على شركات ناشئة لتوسيع حضورها في هذا القطاع (مثل Movidius، وHabana Labs، وNervana)، فإن هذه الصفقات لم تُثمر عن منافسة حقيقية.
لكنّ تان لفت إلى تحوّل جذري في هذه الإستراتيجية، مؤكّداً أنّ «إنتل» ستعتمد على قدراتها الداخلية لتطوير منتجات موجهة مباشرة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل الروبوتات والوكلاء الذكيين. وقال المدير التنفيذي: «هدفنا هو أن نصبح المنصة المفضلة لعملائنا، وهذا يتطلّب إعادة تشكيل شاملة لطريقة تفكيرنا في التصميم والهندسة».
بالإضافة إلى ذلك، لمّح تان إلى أن الشركة ستتبع نهجاً مشابهاً لما تفعله «إنفيديا» حالياً، عبر تقديم حلول متكاملة تشمل الرقائق، والبرمجيات، وحتى البنية التحتية. لكنه أقرّ بأنّ المنافسة لن تكون سهلة، خصوصًا في ظل الهيمنة الكاملة لـ«إنفيديا» على السوق، وقدرتها على تقديم مراكز بيانات جاهزة بالكامل.
لمعرفة المزيد عن النتائج المالية لشركات التكنولوجيا، اقرأ أيضاً: «غوغل» تتجاوز التوقعات... شكراً للذكاء الاصطناعي!
سباق محفوف بالمخاطر
تبدو «إنتل» اليوم وكأنها شركة تحاول استدراك سنوات من القرارات المتأخرة. فبين تخفيضات النفقات، وتقليص القوى العاملة، والسعي إلى تحالفات حذرة، يقف ليب بو تان في موقع صعب: إمّا أن ينجح في إعادة العملاق النائم إلى مصافّ الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي، أو أن تواجه الشركة خطر التراجع أمام منافسيها، وفي مقدّمتهم «إنفيديا».
لكنّ التحديات التقنية والتشغيلية ليست العائق الوحيد أمام «إنتل» في الوقت الراهن، إذ تتزامن صحوتها، إن حدثت، مع زلزال مدمّر أحدثته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد تفجيره حروباً تجارية مع القريب والبعيد عبر رفع التعريفات الجمركية، ما أدخل شركات التكنولوجيا العابرة للقارات في حالة ترقّب لمعرفة على أيّ برّ سترسو الأوضاع عند هدوء العاصفة. لكن، هل يُمكن للمخاض السياسي - التجاري الحاصل أن يخلط الأوراق في مجال التكنولوجيا، بما يفتح مجالاً لـ«إنتل» للحاق بالركب؟
