صبحي عطري... من «المْدِينه» إلى الشهرة ثم هول الفاجعة!
رحيل الإعلامي السوري في برلين بعد مسيرة مهنية حافلة، وسط غموض يلف وفاته وحزن واسع في الوسطَيْن الفني والإعلامي.


لأنّ البلاد تعيش على فوّهة لاهبة، اختار معظم شبابها السفر بحثًا عن أحلامهم، وهو ما فعله الإعلامي صبحي عطري (1977 ــ 2025) منذ بداياته. ورغم حرصه الشديد على صحّته، إلا أنّه لم يستطع تحصين نفسه من الخيبات المهنية والإنسانية، فغلبته الذبحة الصدرية وهو في الـ48 من عمره، لينطفئ قبل أيّام في برلين!
يُقال إنّه إذا سكن المرء هاجس الفن والإعلام وكان يعيش في مدينة مثل حلب، فإنّ الأمر يُعد نقمة حقيقية أكثر منه نعمة. فرغم وجوده في «عاصمة الطرب العربي» و«مدينة القدود» ومنبع الأصوات الخلّاقة، إلا أنّها تعاني، كغالبية المحافظات السورية، من تهميش وإهمال إعلاميين. ورغم أنها تضجّ بالمواهب اللافتة، كانت عروض المسرح التجاري المتدنية المستوى هي ما يحقق رواجًا وينال دعمًا وعناية خاصة من رأس النظام السابق! هناك، وجد عطري نفسه شغوفًا بالتمثيل والشعر والمسرح والثقافة والإعلام، فلم يعثر على سبيل لموهبته سوى المسرح الجامعي الملتزم، الذي كان يعاني مثل كلّ المسرح السوري، لا سيّما أنّ هناك عروضًا مسرحية في الجامعة كانت تأخذ طابعًا شعبيًا تجاريًا كوميديًا، فتزدحم صالاتها، بينما تبقى صالات المسرح الملتزم خاوية!
ولأنّ وفاة الأب، عمود المنزل، أتت مبكرة في عائلته، اضطر الراحل للعمل إلى جانب دراسته في مهنة توصيل الطرود البريدية. هكذا، راح يهرول بين المباني، حاملاً على أكتافه علبًا بأوزان ثقيلة، وعبَر من خلال عمله هذا، وهو في عمر لا يتجاوز الـ20 عامًا، إلى رئة المدينة الاقتصادية (المْدينة باللهجة الحلبية المحببة)، وهي أقدم الأسواق الحلبية وتقع بالقرب من قلعتها الشهيرة. وهي عبارة عن مجموعة من الأسواق والورش التجارية والصناعية، التي كان الشاب في مقتبل حياته المهنية يتعرّف فيها إلى أساليب التعامل التجاري، ويؤسس عبرها ثقافة وذاكرة غنيّة ومن نوع خاص!
لاحقًا، وكما غالبية الشباب السوريين، اصطدم بعائق خدمة الجيش الإلزامية، فاختار السفر إلى دبي ليدفع بدلًا نقديًا ويُعفى من الخدمة. جرّب الخوض في الإعلام الأقرب إلى روحه، بدءًا من الصحافة المكتوبة. وبالفعل، تمكّن في بداياته من زيارة مصر، حيث سأل في حيّ الزمالك واستدلّ على مكتب كمال الشناوي، وطلب منه مقابلة بمنتهى الصراحة، وأخبره بأنه لا يعرف متى وأين ستُنشر. وبالفعل، وافق النجم المرموق آنذاك على إجراء اللقاء دون شروط. ولدى عودة عطري إلى الإمارات، تمكّن من نشرها في مجلة «دبي الثقافية»، ليبدأ مشواره في الحوارات الفنية. ونظرًا إلى متطلبات الحياة المتسارعة في المدينة، عمل صبحي في مهن أخرى، حتى أنّه كاد يعمل بائع أحذية في اليوم نفسه الذي تلقّى فيه اتصالًا من مديرة مكتب قنوات «روتانا» في دبي آنذاك، شروق القاسم. عمل معها طويلًا، كما أكّد أنّ لها الفضل في ظهوره التلفزيوني في تقديم الفقرات، قبل أن يطلّ كمقدّم رئيسي في برنامج معروف.
في غضون ذلك، متّن عطري قدراته وإمكاناته بدراسة الإنتاج السينمائي الرقمي، وخضع لدورات في الإعداد والتقديم التلفزيوني في «أكاديمية الجزيرة» في قطر، حسبما قال في آخر ظهور إعلامي له كضيف.
ورغم الغموض الذي أحاط بوفاته، إلا أنّ الأكيد أنّه كان يعيش ظرفًا مهنيًا صعبًا، وهو ما أكّده النجم الإماراتي حبيب الغلوم، الذي كتب على حساباته على السوشال ميديا أنّه في آخر اتصال جمعه بالراحل، طلب منه العمل كممثل في المسلسلات لأنه استُغني عنه كمقدّم برامج! إضافة إلى أنّه اعتاد السفر إلى لندن في مثل هذا الوقت من السنة ليقابل شقيقه المقيم هناك، ولكنه هذه المرّة اختار برلين ليمضي إجازة عند أحد أصدقائه. وفي يوم «الجمعة العظيمة» الماضي، غادر صديقه وتركه وحيدًا في بيته لثلاثة أيام. في مساء اليوم نفسه، عانى صبحي من أعراض مفاجئة، فقصد أقرب صيدلية حيث أُسعف، ولكنه فارق الحياة فورًا، وظلّ لمدّة ثلاثة أيام في براد المستشفى إلى أن عاد صديقه وبلّغ الشرطة باختفائه، فعُثر عليه!
أما عن تفاصيل الجنازة والعزاء، فلا تزال مجهولة، إذ علمنا من مصادر مقرّبة من العائلة أنّ الأخيرة تريد نقل الجثمان من ألمانيا إلى الإمارات، وهي عملية مكلفة جدًّا، بينما تعرض السلطات الألمانية إيصاله إلى سوريا على نفقتها الخاصة.
نجوم كثيرون على امتداد البلدان العربية نعَوا صبحي عطري، الذي كان على معرفة وثيقة بغالبيتهم، معبّرين عن حزنهم وصدمتهم من هذا الموت المفاجئ. أما ابن خالته، الإعلامي السوري باسل محرز، فغارق في الإرباك، ولكنه يختزل مشاعره في حديثه معنا، قائلًا: «إنّها الذروة العاتية لساعة الغفلة والضرب المبرح تحت الحزام، عندما يباغتك الموت بهذه الطريقة الصاعقة والسيناريو المخيف! لم يكن صبحي مجرد ابن خالة ورفيق عمر كامل، بل كان داعمًا حقيقيًا على المستويين المهني والإنساني. حتى عندما كان بأمسّ الحاجة إلى سند، لم يكن يُقصّر بشيء. ربما كنّا متضامنين بهذه الطريقة... والآن، كيف يمكن أن أرثيه! دعني أقول لك: لم أصحُ حتى الآن من هول الفاجعة!».
