خطوات صينية ثابتة: مداورة فضائية ناجحة
تحمل المهمة الروتينية الصينية أبعاداً سياسية واسعة، خصوصاً لتزامنها مع انفجار متزايد للملفات الشائكة مع الغريم الأول، الولايات المتحدة الأميركية.


هبط طاقم المهمة الفضائية الصينية «شنتشو-19» بسلام، اليوم الأربعاء، في منطقة منغوليا الداخلية شمال البلاد، بعد ستة أشهر من العمل في محطة «تيانغونغ» المدارية، في خطوة جديدة ضمن مشروع بكين الطموح لتثبيت حضورها في الفضاء، وسط التنافس المحتدم مع الولايات المتحدة الأميركية في هذا المجال.
عودة الرواد الثلاثة
أفادت «وكالة أنباء الصين الجديدة» (شينخوا) بأن الكبسولة التي تقلّ الرواد الثلاثة: كاي شيو تشي (48 عاماً)، سونغ لينغ دونغ (34 عاماً)، وووانغ هاوزي (35 عاماً)، هبطت بسلام، وأن حالتهم الصحية «جيدة»، علماً أن رحلة العودة تأجلت ليوم واحد بسبب سوء الأحوال الجوية.
وتجدر الإشارة إلى أن وانغ هاوزي هي ثالث امرأة صينية تشارك في مهمة فضائية مأهولة، وكانت المهندسة الوحيدة المتخصصة في الرحلات الفضائية في الصين وقت إطلاق المهمة.
وشهدت المهمة، التي انطلقت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تنفيذ عدد من التجارب العلمية، إضافة إلى صيانة مرافق المحطة، وتسجيل رقم قياسي جديد لأطول سير في الفضاء في تاريخ الصين (تجاوز تسع ساعات).
مشروع فضائي متسارع
منذ إطلاق الوحدة الأساسية لمحطة «تيانغونغ» في عام 2021، أصبحت المحطة محوراً رئيسياً في برنامج الصين الفضائي، خصوصاً بعدما استُبعدت من المشاركة في «محطة الفضاء الدولية» بقرار أميركي عام 2011.
وفي ظل التوترات مع الغرب، ضخّت بكين مليارات الدولارات لتطوير برنامجها الفضائي المأهول وغير المأهول، كما تسعى حالياً إلى إنجاز أول هبوط مأهول على سطح القمر بحلول عام 2030، وبناء قاعدة قمرية دائمة بحلول عام 2035.
طاقم «شنتشو-20» يتسلّم المهمات
في وقت سابق من الأسبوع، أطلقت الصين مهمة «شنتشو-20» إلى المحطة، حيث التقى الطاقمان في المدار لأيام عدة قبل أن يُسلّم الفريق القديم المهمات للفريق الجديد.
يترأس الطاقم الجديد العقيد تشين دونغ (46 عاماً)، وهو أول صيني أمضى أكثر من 200 يوم في المدار. ويضمّ الطاقم أيضاً تشين تشونغروي (40 عاماً)، وووانغ جيه (35 عاماً)، الذي يُعدّ أول رائد فضاء صيني من منطقة منغوليا الداخلية.
ومن المقرر أن تستمر مهمتهم ستة أشهر، يُجرون خلالها تجارب في الفيزياء وعلوم الحياة، إضافة إلى تركيب معدات حماية من الحطام الفضائي، ومحاكاة عمليات التزود بالوقود والصيانة.
الجدير بالذكر أن المهمة تحمل للمرة الأولى ديداناً مائية مسطحة، تُشتهر بقدرتها على التجدد، لاستخدامها في أبحاث بيولوجية متقدمة.
تعاون دولي... وباكستان أول شريك مأهول
رغم استبعادها من برامج الفضاء الغربية، تسعى بكين إلى توسيع شراكاتها الدولية في مجال الفضاء.
في هذا السياق، وقّعت الصين في شباط (فبراير) الماضي اتفاقاً مع باكستان يقضي بتدريب رائدي فضاء باكستانيين في الصين، تمهيداً لإرسال أول رائد فضاء أجنبي إلى محطة «تيانغونغ».
وشرحت «وكالة الفضاء الصينية» أن اختيار المرشحين وتدريبهم سيبدأ قريباً، في خطوة تؤكد طموح بكين لتوسيع نفوذها الفضائي إلى ما وراء حدودها.
نجاح صيني وفشل أميركي
رغم أن المهمة الحالية ليست أكثر من رحلة مداورة روتينية لا تكتسب اهتماماً يُذكر في الأحوال العادية، إلا أن أبعادها لا تقف عند حدود تزامنها مع المنافسة الشرسة مع الولايات المتحدة، بل تشكّل رسالة مباشرة حول قدرة الصين على النجاح في أداء المهمات الأساسية قبل الانطلاق نحو الفضاء الأعمق من مدار الأرض.
هذا النجاح يأتي بعد إقفال الستار أخيراً على الفضيحة الفضائية التي تعرّضت لها خطط «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا)، إثر فشلها في إعادة رائدي فضاء أميركيين تعطّلت مركبتهما من نوع «ستارلاينر» التابعة لـ«أيقونة» الطيران الأميركية «بوينغ» بعد وصولهما إلى «محطة الفضاء الدولية» في حزيران الماضي، ما أدخل الوكالة في حالة من التخبط لحوالى عشرة أشهر قبل التمكن من إعادتهما.
من هنا، تأتي أهمية سلاسة عملية المداورة الصينية بين طواقم مهمتي «شنتشو-19» و«شنتشو-20»، إذ تواصل الصين في الفضاء، كما في باقي المجالات، تسجيل نقطة تلو الأخرى في نعش الريادة الأميركية.


