«مسافر أزلي»: أسئلة السلطة والنجاة والهوية!
يقدّم المسلسل الأرجنتيني دراما خيالية عن النجاة والسلطة، بإخراج لافت، لكنّه يعاني من بطء وثغرات سردية.


تخيّل عالماً تستيقظ فيه ذات صباح لتجد السماء مغطاة بغبار غامض، والشارع خالياً إلا من جثثٍ متجمّدةٍ تحمل علامات رعبٍ مجهول... هذه هي أجواء «مسافر أزلي» (El Eternauta)، المسلسل الأرجنتيني الذي يُعيد إحياء رواية هيكتور أوستيرهيلد المصوّرة الشهيرة، ليحوّلها إلى تجربة مرئية جديدة تنطلق من كارثة خيالية لتطرح أسئلة عميقة عن السلطة، والنجاة، والهوية.
دراما من الثلج والعزلة
يفتتح العمل المؤلف من 6 حلقات أحداثه في قلب بوينس آيرس، حين يتحوّل مشهد تساقط الثلوج إلى كارثة غير مفهومة. تتكشّف سريعاً طبيعة هذه الثلوج، لينتقل السرد إلى محور البقاء وتشكيل جماعة من الناجين يقودها رجل عادي يُدعى «خوان سالفو».
يعتمد المسلسل على سرد خطيّ واضح، يبدأ من لحظة التحوّل الجذري، ثم يتوسّع نحو استكشاف تداعيات الكارثة وسبل مواجهتها. الإيقاع يشهد تذبذباً بين مشاهد مشدودة التوتّر وأخرى تتسم بالبطء، خصوصاً في المنتصف، حيث يتركّز العمل على الجوانب النفسية والأخلاقية للصراع.
يعتمد العمل على بنية سردية كلاسيكية تبدأ بلحظة اضطراب تساقط الثلوج القاتلة، ثم تنتقل تدريجياً إلى استجابة الشخصيات وتكيّفها مع الواقع الجديد. كل حلقة تُبنى على سابقتها من حيث التصعيد في مستوى التهديد وتقلّص مساحة الأمان، ما يخلق توتراً تصاعدياً يسيطر على المسار العام للحبكة. غير أن توزيع الأحداث لا يخلو من تفاوت؛ فبينما تبدأ الحلقات الأولى بزخم عالٍ، تشهد الحلقات الوسطى بعض التباطؤ نتيجة الإفراط في الشرح أو التكرار من دون تقديم تطوّر فعلي في الأحداث.
بطل من الناس: خوان سالفو وولادة القائد العفوي
يُعد أداء ريكاردو دارين في دور «خوان سالفو» العمود الفقري للمسلسل، إذ يُقدّم نموذجاً نادراً لبطل غير بطولي، يتقدّم من موقع الارتباك لا السيطرة. ما يُميز دارين في هذا الدور هو اعتماده على تعابير وجه منخفضة الشحنة لكنها محمّلة بدلالات داخلية، وعلى إيقاع بطيء في الكلام يمنح كل جملة وزناً خاصاً، وكأنّ الشخصية تُفكّر قبل أن تتحدث، حتى في ذروة التهديد.
جسدياً، يتبنّى دارين حضوراً مضاداً للنموذج القائد النمطي، لا يتحرّك بثقة استعراضية، بل بتردّد محسوب. مشيته المائلة، التفاتاته المتردّدة، وحتى طريقته في احتضان أفراد مجموعته تنقل فكرة القائد الذي يتعلّم القيادة وهو يعيشها، لا من يفرضها مسبقاً.
نجح دارين في نقل تحوّل الشخصية من رجل منزلي إلى قائد مقاومة من دون قفزات درامية مصطنعة. كل تطوّر يُبنى على أزمة، وكل قرار ينبع من شك داخلي لا من قناعة جاهزة، ما يجعل شخصيته قابلة للتصديق والارتباط العاطفي، ويمنح المسلسل بأكمله عمقاً إنسانياً ملموساً.
رؤية إخراجية بصرية لا تخلو من التجميل الزائد
على المستوى الإخراجي، يعتمد المسلسل الذي تأكّد تجديده لموسم ثانٍ مؤلف من 8 حلقات على لغة إخراجية دقيقة تسعى إلى نقل التجربة النفسية للشخصيات بوسائل بصرية أكثر من الحوار المباشر. يستخدم المخرج الإضاءة الباردة لتوليد شعور مستمر بالتهديد والعزلة، خصوصاً في ترجمة الثلج إلى عنصر عدائي بصري ونفسي، ما يخلق جواً من النفور والموت البطيء، ويتناغم مع التهديد الكامن في الثلج الذي لا يبدو عدائياً من حيث الشكل، لكنه قاتل في جوهره.
لقطات واسعة تُظهر الشخصيات صغيرة أمام فضاءات مهجورة، وأخرى ضيقة تكاد تخنق المشهد حين تنتقل الأحداث إلى أماكن مغلقة. الإخراج لا يكتفي بتجميل المشاهد بصرياً، بل يُوظف كل عنصر من الظلال إلى الفضاءات الفارغة لبناء دلالات متراكبة: الخوف، فقدان السيطرة، وانهيار النظام.
الحوار وتطوّر الشخصيات: بين المباشرة والرمزية
يخضع الحوار في «مسافر أزلي» لوظائف سردية أكثر من كونه امتداداً طبيعياً لصوت الشخصيات، ما يجعل بعض الجمل تبدو مصطنعة أو محمّلة بما يتجاوز ملامح المتحدث بها. هذا التفاوت في اللغة لا يخلو من الأثر على بناء الشخصيات. فبينما ينجح النص في التعبير عن التحولات الكبرى في شخصية «خوان سالفو» عبر خطاب داخلي متزن ينسجم مع تردده وتطوّره، يفشل أحياناً في منح الشخصيات الثانوية نبرة مميزة أو سياقاً لغوياً يبرر قراراتها.
في المشاهد الأكثر توتراً، ينجح الحوار حين يُترك غير مكتمل، متقطّعاً، أو مشوباً بالتردّد، وهي لحظات يتقدّم فيها الصمت كلغة درامية فعالة.
ثغرات العمل: تفاوت وخلل بين الشخصيات
رغم ما يقدّمه «مسافر أزلي» من رؤية إخراجية محكمة وأداء تمثيلي قوي، إلا أنه لا يخلو من ثغرات تقلّل من اتساقه الفني. بدءاً من التفاوت الملحوظ في كتابة الشخصيات، إذ تبقى بعض الشخصيات الثانوية سطحية وظيفية، تُستخدم لخدمة الحبكة من دون تطوير واضح أو مبرّرات نفسية متماسكة.
يعاني المسلسل من خلل في التوازن الإيقاعي، إذ تتباطأ بعض الحلقات بشكل يضعف الزخم العام ويؤثر في التوتر المتراكم.
كما إنّ الميل إلى استخدام رموز شديدة الوضوح مثل الثلج القاتل أو الغزاة الغامضين، يفقد بعض المشاهد مرونتها التأويلية، خصوصاً حين يُرافق ذلك حوار مباشر يُصرّ على إيصال الرسالة بدلاً من تركها تتكشّف عبر الفعل الدرامي. الإفراط في المؤثرات البصرية أحياناً يُضعف من صدقية المشهد ويحول دون اندماج المشاهد في العالم المفترض.
المسلسل، في موسمه الأول على الأقل، لا يزال في طور التأسيس، ويحتاج إلى تعميق خطوطه الدرامية وتوسيع أفقه الحواري والبصري للوصول إلى مستوى الاستثنائية التي يطمح إليها.
مسلسل «مسافر أزلي»: متوافر على «نتفليكس».
