مجرّة متطوّرة من الماضي السحيق تربك العلماء
اكتشاف مجرّة ضخمة ومنظّمة ظهرت في وقت مبكر من عمر الكون يُربك العلماء ويُعيد طرح تساؤلات حول سرعة تشكّل المجرّات.


في اكتشاف فلكي غير مسبوق قد يُعيد صياغة فهم العلماء لنشأة المجرّات، توصّل فريق دولي من الباحثين إلى رصد مجرّة حلزونية ضخمة جداً، تشكّلت في حقبة مبكرة من عمر الكون، وبخصائص تُعد «متقدّمة جداً» قياسًا إلى توقيت ظهورها.
كشفت الدراسة، التي نُشرت أمس الأربعاء في مجلة «نيتشر» العلمية، أن المجرّة المعروفة باسم J0107a ظهرت عندما كان عمر الكون لا يتجاوز 2.6 مليار سنة، أي في مرحلة كان يُفترض فيها أن تكون المجرّات لا تزال في بدايات تطوّرها الهيكلي.
ووفقاً لما أعلنه «المرصد الفلكي الوطني في اليابان» وجامعة «ناغويا»، فإن J0107a تُصنَّف مجرّة «شريطية حلزونية» ذات كتلة تفوق مجرّة «درب التبانة» بأكثر من عشرة أضعاف. وتُعد هذه البُنية من أكثر الأشكال المعقّدة التي يمكن أن تتخذها مجرّة، إذ تتكوّن من قرص يمرّ في وسطه شريط ضخم من الغاز والنجوم، تنبعث منه أذرع منحنية تُشكّل الشكل الحلزوني.
منظومة متطوّرة في وقت مبكر
تُعد البنية الشريطية واحدة من أكثر التراكيب المنتظمة في المجرّات، ويُعتقد أنها تتطلّب مليارات السنين لتتشكّل، ما أثار حيرة العلماء حول الظهور المبكر بهذا الشكل لهذه المجرّة.
من جهتها، أوضحت أستاذة علم الفلك في جامعة سوينبورن للتكنولوجيا في أستراليا، ديان فيشر، أنّ «مثل هذه الأشرطة لا يُتوقَّع أن تظهر في الكون المبكر جداً»، معتبرةً أن J0107a تُجسّد منظومة «متطوّرة ومنظّمة على نحو غير اعتيادي في تلك المرحلة من التاريخ الكوني».
ولا تتوقّف المفاجآت عند الشكل فقط، إذ تبيّن أن نحو 50% من كتلة الشريط في هذه المجرة تتكوّن من الغاز، وهي نسبة تفوق بخمسة أضعاف ما هو موجود في المجرّات الحديثة ذات البنية المماثلة. ويُغذّي هذا الغاز تكوّن النجوم داخل المجرة بمعدّل مذهل، يبلغ 500 شمس سنوياً، أي ما يعادل 300 ضعف معدّل تكوّن النجوم في «درب التبانة».
-
يفوق سطوع المجرّة 700 مليار شمس
مجرّة تفوق سطوعها 700 مليار شمس
يرتبط هذا الزخم في تكوّن النجوم بسطوعٍ شديد لمركز المجرة، قدّره الباحثون بما يعادل 700 مليار شمس. وبينما لا يُعد هذا النشاط مفاجئًا نظراً إلى أن الحقبة المبكرة من الكون كانت غنيّة بالغازات، إلا أن مستوى التنظيم والدينامية في مجرّة J0107a يطرح تساؤلات عميقة حول سرعة تشكّل البُنى الكونية المعقّدة.
بالإضافة إلى ذلك، يحيط بالمجرة سحاب غازي عملاق يبلغ قطره 120 ألف سنة ضوئية، أي إنه يفوق مجرّة درب التبانة حجمًا، وهو ما يعزّز فرضية أن هذا الوقود الكوني الهائل كان الداعم الأساسي لنموّ المجرة بوتيرة غير معتادة.
لمعرفة المزيد عن أخبار الكون، اقرأ أيضاً: مؤشّرات محتملة للحياة خارج الأرض
اكتشاف يفتح أسئلة
تُشير هذه النتائج إلى أن الكون المبكر ربما كان أكثر دينامية وخصوبة مما كان يعتقد العلماء. فهي لا تكتفي بكشف مجرّة ضخمة ومنظّمة ظهرت في وقت مبكر فحسب، بل تطرح تحديًا كبيراً أمام النماذج التقليدية لتطوّر المجرّات.
ومع استمرار رصد أعماق الكون باستخدام تقنيات حديثة، يبدو أن العلماء سيحتاجون إلى إعادة النظر في الجداول الزمنية التي اعتُمدت طويلاً لتفسير نشوء المجرّات وبُناها المعقّدة.
