سوق القنّب في ألمانيا: انتكاسة بعد تسلّم المحافظين
ازدهرت سوق معالجة القنّب في ألمانيا بسبب التسهيلات القانونية لاستعماله في السياقين الطبي والشخصي، لكن ماذا يعني وصول المحافظين إلى السلطة لهذا القطاع؟


بعيداً من التوترات السياسية والحرب الطاحنة على بوابة أوروبا الشرقية، تنشط بشكل متزايد في ألمانيا صناعة الدواء عبر معالجة «الذهب الأخضر»، أي القنّب الطبي.
وللدخول في تفاصيل هذه الصناعة الواعدة في أكبر اقتصاد أوروبي، كشفت وكالة «فرانس برس» تفاصيل التجارة الجديدة عبر معاينة أحد المواقع المحصّنة بإحكام في ولاية بافاريا الألمانية، حيث يخفي باب فولاذي سميك مصنعاً تابعاً لشركة ناشئة تعمل في قطاع يتوسّع بسرعة: تحويل أزهار القنّب إلى أدوية عالية الجودة تُباع تحت شعار «صُنع في ألمانيا».
في هذا المكان السري، يرتدي الموظفون معاطف وقفازات ومعدات حماية، لقصّ الأزهار المجفّفة وتحضيرها على شكل كرات صغيرة تُستخدم في معالجة الأرق والصرع والألم المزمن.
المشهد الذي تشهده شركة «كانتوراج» الناشئة ليس استثناءً، بل يعكس ازدهاراً أوسع يشهده قطاع القنّب الطبي في ألمانيا منذ إقرار قانون يتيح استخدامه عام 2017. وتحوّلت البلاد اليوم إلى واحدة من أكبر الأسواق الأوروبية في هذا المجال، بدعم من سياسة تشريعية تُعد من بين الأكثر ليبرالية في القارة.
-
خفّفت ألمانيا القيود على القنّب الترفيهي في عام 2024.
«مصنوعة في ألمانيا» من زهور مستوردة
يشرح رئيس شركة «كانتوراج»، فيليب شيتر، أنّ المصنع يعالج ما بين 4 إلى 6 أطنان من القنّب سنوياً، مستوردة جميعها من أكثر من 15 بلداً حول العالم، بينها جامايكا، أوغندا، البرتغال، ونيوزيلندا.
ولفت إلى أن الحفاظ على سرية الموقع أمر ضروري بسبب قيمة المواد الخام وخطر التهريب أو السرقة.
ورغم أن الشركة لا تزرع القنّب محلياً، إلا أنها تركّز على تحويله إلى منتجات دوائية مطابقة للمعايير الألمانية.
واللافت أن غالبية المواد الأولية لا تزال تأتي من الخارج، خصوصاً من كندا، ما يعكس محدودية الزراعة المحلية التي لا تزال حكراً على ثلاث شركات فقط تملك تراخيص رسمية.
نمو متسارع وأرباح تشغيلية للمرة الأولى
تأسست «كانتوراج» عام 2019، وسرعان ما نافست أسماء دولية في هذا القطاع مثل «بيدروكان» الهولندية و«أورورا» الكندية.
وقد تضاعفت إيراداتها في خمس سنوات من أقل من مليون يورو إلى 40 مليون يورو، محققة في العام الماضي أول ربح تشغيلي.
وفي خطوة تعكس الثقة المتزايدة بالمجال، أُدرجت الشركة في بورصة فرانكفورت تحت الاسم الرمزي *HIGH*، في إشارة طريفة إلى مصطلح مألوف بين متعاطي القنّب، وإن كان استخدامه هنا موجّهاً للعلاج فقط.
بين العلاج والترفيه
اتخذت ألمانيا، والتي كانت من أوائل الدول الأوروبية التي شرّعت القنّب الطبي، خطوة أكثر جرأة في عام 2024، معلنةً تخفيف القيود أيضاً على القنّب الترفيهي.
فقد أصبح بإمكان الأفراد حيازة كميات صغيرة من القنّب وتوفيره عبر نوادٍ خاصة، كما لم يعد القنّب الطبي يُصنّف كمادة «مخدّرة»، ما سهّل الحصول على وصفات طبية له.
ويشير رئيس «كانتوراج»، فيليب شيتر، إلى أن هذا التغيير التشريعي أدّى إلى «زيادة في الطلب»، إذ بات بالإمكان شراء القنّب من الصيدليات حتى لو لم يكن المرض مزمناً أو خطيراً.
ووفقاً لمنصة «بلومويل» التي تربط المرضى بالأطباء، ارتفع عدد الوصفات بنسبة 1000% في كانون الأول (ديسمبر) 2024 مقارنةً بآذار (مارس) من العام نفسه.
-
تُعرف الحكومة المحافظة الجديدة بمعارضتها لاستخدام القنّب الترفيهي.
تهديد سياسي: هل يتراجع التقدّم؟
لكن هذا التوسّع قد يواجه انتكاسة، فقد تسلّمت الحكومة المحافظة بقيادة فريدريش ميرتس السلطة أخيراً، وهي تُعرف بمعارضتها لاستخدام القنّب الترفيهي.
وقد وعدت بالفعل بمراجعة القانون الحالي في الخريف، مع إمكانية إلغاء أو تعديل بعض بنوده.
ويخشى العاملون في القطاع من أن يؤدي أي تراجع تشريعي إلى تعطيل نمو السوق.
ومع ذلك، يُشدّد رئيس «كانتوراج» على أن شركته تبقى «شركة أدوية»، هدفها تقديم علاج فعّال وتسليمه بشكل قانوني إلى الصيدليات، بغض النظر عن الجدل الدائر.
أوروبا تنتظر
في الوقت الحالي، تبقى ألمانيا السوق الأكثر نشاطاً في الاتحاد الأوروبي في مجال القنّب الطبي. وإذا حافظت على هذا الزخم، فقد تلعب دوراً محورياً في صياغة الإطار التنظيمي الأوروبي مستقبلاً. أما إذا شهدت تراجعاً سياسياً، فقد يتباطأ التقدّم على مستوى القارة بأكملها.
