جنسن هوانغ... «بطل قومي» يخوض حرباً تكنولوجية!
في خضم صراع الذكاء الاصطناعي العالمي، يتحرّك جنسن هوانغ لتأمين مستقبل «إنفيديا» وسط قيود أميركية وتموضع تايواني حساس.


وسط أجواء من الحماسة الشعبية والإعجاب الذي أطلق عليه الإعلام اسم «جنون جنسن»، اختتم الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جنسن هوانغ، زيارته إلى العاصمة التايوانية تايبيه بعد أسبوعٍ حافلٍ في معرض «كومبيوتكس» (Computex)، حيث استعرض استراتيجية شركته للحفاظ على صدارة صناعة الذكاء الاصطناعي، في وقت تواجه فيه تحديات متزايدة في السوق العالمية.
تراجع الاستثمارات وقيود التصدير الأميركية
رغم أن «إنفيديا» أصبحت اليوم الشركة الأعلى قيمة بين مصنّعي الرقائق في العالم، فإنّها تقف على مفترق طرق حاسم. إذ تلوح في الأفق بوادر تباطؤ في الإنفاق على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التأثيرات السلبية للقيود الأميركية على تصدير التكنولوجيا المتقدّمة إلى الصين. وهو بالفعل ما اضطرّ العملاق الأميركي إلى سحب الشرائح المتقدّمة من السوق الصينية واستبدالها بنسخ معدّلة تتماشى مع القيود التصديرية الأميركية.
وفيما بدأت شركات كبرى مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» الإشارة إلى تقليص نفقاتها، عبّر المستثمرون عن قلقهم من احتمالية تراجع نمو الشركة. وفي حين أعلن هوانغ أخيراً عن صفقات ضخمة في دول الخليج، يحذّر محلّلون من أن هذه الفرص السيادية قد لا تتكرر بوتيرة مماثلة مستقبلاً.
في هذا السياق، تساءل المحلّل لدى «سيبورت ريسيرتش» المختصة في الشؤون الاستثمارية، جاي غولدبرغ: هل ستعلن كل دولة عن مركز بيانات بقيمة 10 أو 50 مليار دولار كما حدث في السعودية؟ ليجيب نفسه فوراً: «بالطبع لا. لقد بدأوا يستنفذون الفرص البديهية».
-
يُنظر إلى جنسن هوانغ كبطل قومي في تايوان
الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية التحتية للمجتمع
وعند سؤاله عن كيفية تعامل «إنفيديا» مع تباطؤ الإنفاق، ردّ هوانغ: «تُبنى بنية الذكاء الاصطناعي في كل مكان... ولهذا السبب أنا أسافر حول العالم. الذكاء الاصطناعي سيكون جزءاً من بنية المجتمع».
وخلال مشاركته في معرض «كومبيوتكس»، كشف هوانغ عن تقنية جديدة تستهدف توسيع هيمنة «إنفيديا» على سوق الذكاء الاصطناعي من دون الاعتماد على صفقات سيادية كبرى.
NVLink Fusion
أبرز ما قدّمته الشركة خلال الأسبوع المنصرم كان تقنية NVLink Fusion، وهي منصة تتيح للشركات ربط رقائقها المخصصة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي من «إنفيديا»، ما يجعلها جزءاً من منظومة قادرة على دعم تطوير أجهزة ومنصات أخرى.
وتعليقاً على طريقة عمل هذه المنصة، قال نائب الرئيس في «مارفيل تكنولوجي» العاملة في مجال تطوير أشباه الموصلات، نيك كوتشاريفسكي: «بدلاً من الاضطرار إلى بناء خزانة المعدات كاملة، يمكن للشركات الآن الابتكار فقط على مستوى الرقاقة المخصصة».
تهدف هذه الخطوة إلى جذب شركات التكنولوجيا للاعتماد على «إنفيديا» كمزوّد أساسي للبنية التحتية في مراكز البيانات، حتى عند استخدام شرائح مخصصة، ما يعني تعزيز الطلب على الشبكات والمكونات الأساسية التي توفرها الشركة.
دخول سوق المؤسسات
كذلك بدأت «إنفيديا» التوسّع في سوق المؤسسات عبر إطلاق سلسلة من الخوادم وصفها هوانغ بأنها «أجهزة كمبيوتر فائقة الذكاء»، مشيراً إلى أن هذه الخوادم تفتح سوقاً بمليارات الدولارات، إذ يمكن استخدامها في تطبيقات متعددة مثل الرسوميات والآلات الافتراضية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن المحلّل جاي غولدبرغ يرى أن اختراق هذا السوق ليس سهلاً، قائلاً: «الصفقات في سوق المؤسسات تكون صغيرة نسبياً مقارنة بمراكز البيانات السيادية، كما أنها أغلى وأكثر تعقيداً».
-
تلعب «إنفيديا» دوراً محورياً في قلب الصراع الجيوسياسي
تايوان... العمود الفقري لصناعة «إنفيديا»
تعتمد «إنفيديا» في تصنيع رقائقها على شركة «تي إس إم سي» (TSMC) التايوانية، إلى جانب مئات الشركات المحلية الأخرى التي توفر مكوّنات وخبرات تصنيع ضرورية لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المعقدة.
من جهته قال كبير المحللين في شركة «مور ذان مور» الاستشارية، إيان كترس: «كان الهدف من معرض «كومبيوتكس» هو جمع عناصر المنظومة وسلسلة التوريد معاً». وأكّد أن هذه الشبكة ضرورية لدعم صفقات «إنفيديا» الكبرى في الخليج وغيرها من المناطق التي تسعى لبناء بنى تحتية متطورة.
جنسن هوانغ... «بطل قومي» في تايوان
استُقبل هوانغ بحفاوة بالغة في تايوان، حيث يُنظر إليه كبطل قومي ينحدر من مدينة تاينان التاريخية قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة وهو في التاسعة من عمره. وخلال زيارته، ظهر على المنصات وفي الولائم إلى جانب أبرز قادة قطاع التكنولوجيا التايواني، من بينهم رئيس «فوكسكون»، يونغ ليو، الذي وصفه بـ«قائد فريق تايوان».
كما قدّم له الرئيس التنفيذي لشركة «ميدياتك»، ريك تساي، هدية غير متوقعة: كيساً من شرائح الجوافة من كشكه المفضل في أحد أسواق تايبيه.
أما شركة «سولومون تكنولوجي»، المتخصصة في حلول الأتمتة الصناعية والتي تستخدم أدوات «إنفيديا» البرمجية، فقد صرّحت بأن التعاون مع الشركة الأميركية رفع من مكانتها بشكل كبير. وقال رئيس مجلس إدارتها جوني تشين: «لم نكن معروفين من قبل، لكن بدعم «إنفيديا» أصبحنا اليوم محل أنظار الجميع»، علماً أنّ أسهم «سولومون» ارتفعت بنسبة 241% منذ أن ذكر هوانغ اسمها في مؤتمر GTC العام الماضي.
لمعرفة المزيد عن «إنفيديا»، اقرأ أيضاً: «إنفيديا» تعدّل شرائحها لتجاوز القيود الأميركية
مكاسب تكنولوجية في قلب الصراع الجيوسياسي
تعكس تحركات «إنفيديا» الأخيرة دورها المتزايد كلاعبٍ محوري في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمي، ليس فقط من منظور تجاري أو تقني، بل كأداة غير مباشرة في الصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. فالشركة التي تستند على سلسلة توريد تايوانية مترابطة، تُعد نموذجاً لكيفية استخدام واشنطن للتفوق التكنولوجي في فرض قيودها على الصين، عبر حظر تصدير الشرائح المتقدّمة، مما يمنح «إنفيديا» دوراً مزدوجاً: محرّكاً للابتكار من جهة، وواجهةً لصراع النفوذ الأميركي في آسيا من جهة أخرى.
ومن خلال تعزيز علاقاتها مع تايوان، الحليف الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، تبدو «إنفيديا» وكأنها ترسّخ وجودها داخل معادلة لا تخلو من التوازنات السياسية الحساسة، خصوصاً في ظل اعتبار بكين في الجزيرة جزءاً من أراضيها.
