«كلّ عار وأنتم بخير»... التوأم ملص يجترحان كلّ الحلول؟
بين الحميمية والارتجال، يعيد «التوأم ملص» عرضهما المسرحي «كلّ عار وأنتم بخير» إلى دمشق بعد الثورة، في محاكاة مؤثرة لذاكرة بلد وتمزق أجيال.


بحسب المراجع والقواميس المسرحية، يمكن تعريف «مسرح الغرفة» بأنه: مكان صغير معدّ للمشاهدة، لا يحتاج إلى العناية الفائقة من ناحية الديكور أو بقية عناصر السينوغرافيا المكلفة، على ألا يتسع مكان العرض سوى لعدد قليل من المشاهدين، لخلق شرط حميمي، وذلك بذريعة التماس المباشر والعفوي بين الممثلين والجمهور. ويُفترض أن يكون عدد ممثلي العرض قليلاً.
ظهوره تاريخياً يُعزى إلى السويدي أوغست سترندبرغ عام 1907 بنصوص عدّة كتبها في سياق تجريبي وعلى شكل سير ذاتية، ربما يكون منها «سوناتا الشبح» و«الطريق الطويل». وعُرف لاحقاً هذا النوع بـ «المسرح الحميمي»، تحديداً في السويد، وتبعته تجارب عدة بقصد تطوير هذا النوع أو الاتكاء عليه لتقديم نوع مسرحي في سياق مشابه، سواء في «مسرح الحجرة» في موسكو، أو «مسرح الجيب» في مصر، أو «مسرح المئة كرسي» في الأردن، وحتى «مسرح القهوة». كلّ ذلك كان بهدف تكريس صيغة تلقٍّ مختلفة في عالم متوحّش يفترس الوقت مقابل العيش بحدوده الدنيا!
مسرح الغرفة في سوريا: تجربة التوأم ملص
على هذه الهيئة، وامتثالاً لضرورة تطوير الأدوات المسرحية لتقديم فرجة ذات جمالية أعلى، والعمل على أن يعيش العرض المسرحي ربما لسنوات طويلة، إذ تكون المادة قابلة للتطوير وفق حالة واسعة من الارتجال يسمح بها هذا النوع المسرحي، كرّس شابان سوريان تجربتهما الإبداعية، عدا عن أن قصّتهما الواقعية تبدو ملهمة إلى الحد الأقصى.
الحديث هنا عن محمد وأحمد ملص، المعروفَين باسم «التوأم ملص»، اللذَين غادرا دمشق مرغمَين بعد مواقفهما المعارضة للنظام البائد، وكانا قد قدّما عرضهما الذي ينتمي إلى مسرح الغرفة والمعنون «كل عار وأنتم بخير» (تأليفهما وتمثيلهما وإخراجهما) قبيل بدء الحراك في سوريا. لكنّهما غادرا البلاد وهما في أواخر العشرينيات من عمرهما، وعادا وهما على عتبة الأربعين ليُعيدَا تقديم العرض ذاته في بيتهما في حي العدوي بدمشق، ولكن بعد إضافات تخصّ الحدث التاريخي وسقوط النظام وتغيّر وجه المنطقة.
«كلّ عار وأنتم بخير»: حكاية وطن وهوية
هكذا، يستهل العرض بتعليق صوتي مقتضب يُعرّف نفسه على أنه قصة ربما حدثت قبل الثورة أو خلالها أو حتى بعدها، ويقدّم فرجة ممتعة وصيغاً متلاحقة من حوارات مباشرة لشخصيتين هما عسكري بسيط في مقتبل العمر ومثقف مهزوم وصل إلى خريف الحياة، ومدى التباين بينهما على كل المستويات. وفي لحظة حاسمة، تتغير الأدوار ليصبح العسكري هو ذاته، ولكنه صار في أرذل العمر، بينما عاد المثقف ليكون في ريعان شبابه.
كلّ ذلك سيبدو بمنزلة جردة حساب واسعة الطيف تمشي على ضفاف نهر الدم الذي سال في سوريا من أقصاها إلى أقصاها. لكن الملفت في العرض هو نضوج صانعيه من ناحية الفكر السياسي الذي يتضمّنه، ما بين سطور الخطاب المسرحي، كأن الخلاصة تقول: لن تُبنى هذه البلاد إلا بعد مصالحة وطنية شاملة تترك فرصة لغالبية النبلاء من أبنائها، على اختلاف انتماءاتهم وأفكارهم ورؤاهم وخلفياتهم وسعة إدراكهم، أن يتعانقوا ليجرّبوا البناء معاً.
على المستوى الأدائي، يُورّط الممثلان المترفان بالموهبة جمهورهما ويشاركانه الجوهر العميق لكلّ فكرة، ويخلقان هذا الجو الحميمي المطلوب، رغم شرط العرض الذي لا يبدو صحياً قياساً بشكل المسرح التقليدي.
اللافت أن المسرحية هي بمنزلة ردّ من «التوأم ملص» على كلّ أشكال الفساد الإداري والمحسوبيات التي كانت تسطو على سوريا، لأنهما يقولان إنّهما ممثلان موهوبان بامتياز، ولكنهما رُفضا في فحص القبول في «المعهد العالي للفنون المسرحية» مراراً!



