اصطدام المجرّة المنتظر... العلم يبدّل السردية!
كشفت دراسة فلكية أنّ تصادم «درب التبانة» ومجرّة «أندروميدا» لم يُعد أمراً محتوماً، إذ رُسمت احتمالات جديدة تُغيّر صورة المستقبل الكوني.


رغم أن التصادم الكبير بين «درب التبانة»، التي تستضيف البشر، ومجرة «أندروميدا» كان يُعدّ سابقاً مسألة وقت، كشفت دراسة فلكية حديثة عن سيناريو أكثر تعقيداً وأقل حتمية. فبينما تواصل المجرّتان اندفاعهما نحو بعضهما البعض بسرعة مذهلة تبلغ 400 ألف كيلومتر في الساعة، تفتح النتائج الجديدة باباً أمام احتمالات أقل درامية مما كان مرسوماً.
لكن النتائج الإيجابية لا تعني أنّ «درب التبانة» جامدة لا تتحرّك أو معزولة، ففي خلفية المشهد الكوني، تشهد المجرّة اندماجات متواصلة مع عدد من المجرات «القزمة» المحيطة بها. هذه «الاندماجات الصغرى» تمثّل جزءاً من تاريخ طويل من التحولات بدأت منذ المراحل الأولى لنشوء الكون، وتدلّ على أن التغيير في تركيبة المجرة هو عملية جارية بصمت على مدى العصور.
احتمال التصادم ينخفض… والنهاية قد لا تحدث أصلاً
تشير الدراسة الجديدة، التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي» وأشرف عليها فريق بقيادة الفيزيائي الفلكي من جامعة هلسنكي، تيل ساوالا، إلى أن احتمال تصادم درب التبانة وأندروميدا خلال الخمسة مليارات سنة المقبلة لا يتجاوز 2%، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 50% على مدى عشرة مليارات سنة، أي إن هناك احتمالاً متساوياً لحدوث التصادم أو تجنّبه بالكامل.
ويعود هذا التغيّر في التوقعات إلى بيانات حديثة من مرصدي «غايا» و«هابل» الفضائيين، إلى جانب تعديلات جديدة في تقديرات الكتلة الكلية للمجرّتين، تشمل المادة المظلمة غير المرئية التي تحددها آثار الجاذبية.
-
ستندمج «سحابة ماجلان الكبرى» مع «درب التبانة» خلال نحو ملياري سنة.
ليس ارتطاماً بل «اندماج كوني»
في حال حدوث الاصطدام، فإن العملية لن تكون كما تصوّرها الأفلام، فالتصادم بين النجوم والكواكب لا يحدث بالضرورة انفجاراً كونياً هائلاً، بل يتخلّله عملية اندماج بطيئة ومعقدة على مقياس زمني كوني. عند هذه النقطة، ستنهار البنية الحلزونية لكلتا المجرتين، لتتشكل مجرّة جديدة ذات شكل إهليلجي شبه بيضاوي، وسيُدمج الثقبان الأسودان العملاقان في مركز كل منهما. يُذكر أن كتلة الثقب الأسود في مركز درب التبانة تبلغ 4 ملايين ضعف كتلة الشمس، بينما نظيره في أندروميدا أكبر منها بنحو 25 مرة.
مجرات أخرى تؤثر في الاحتمالات
تُظهر الدراسة أن مصير «درب التبانة» لا يتوقف فقط على علاقتها بمجرة «أندروميدا»، بل يتأثر أيضاً بمجرات قريبة أخرى. فإضافة مجرّة «المثلث» (M33)، وهي ثالث أكبر مجرة في المجموعة المحلية، يزيد من احتمال الاصطدام بين «درب التبانة» و«أندروميدا». لكن من جهة أخرى، عندما أُضيفت مجرة «سحابة ماجلان الكبرى»، تبيّن أنّ تأثيرها الجاذبي يقلّل من احتمال الاصطدام ويغيّر مسار الأحداث المتوقعة.
أمّا على المدى الأقصر، فيُتوقّع أن تندمج «سحابة ماجلان الكبرى» مع «درب التبانة» خلال نحو ملياري سنة، ما يجعل هذا الاندماج أكثر حتمية من التصادم الكوني مع «أندروميدا».
الاندماجات المجرّية سُنّة كونية
دائماً ما كانت اندماجات المجرات جزءاً من المشهد الكوني منذ بدايات الكون، خصوصاً في المناطق التي تتركّز فيها المجرّات بأعداد كبيرة. ففي العصور الأولى، عندما كان الكون أكثر كثافة، كانت هذه الاندماجات أكثر شيوعاً. ومع مرور الزمن، ونتيجة توسّع الكون، أصبحت نادرة ولكنها لم تتوقف تماماً.
في هذا السياق، يشير الفيزيائي الفلكي تيل ساوالا إلى أنّ «المجرّات الصغيرة تندمج باستمرار مع الأكبر منها، ودرب التبانة نفسها تبتلع حالياً عدداً من المجرات القزمة»، في عملية صامتة لكنها دائمة تُعيد تشكيل بنية المجرة.
صورة جديدة لمستقبل المجرة
رغم البعد الزمني الهائل لأي تصادم محتمل مع «أندروميدا»، تكشف هذه الدراسة عن أهمية التحديث المستمر للبيانات الكونية. فالمستقبل الكوني ليس مرسوماً بدقة، بل يتشكل عبر قوى متشابكة لا تزال تتكشف لعلماء الفلك.
وفي ضوء هذه المعطيات، يصبح النظر إلى السماء ليلاً أكثر من مجرد تأمّل في النجوم، بل تذكير بأننا نعيش في مجرّة حيّة تتحرك وتتغير، وتخوض مسارات معقّدة بين الجاذبية والزمن والاحتمالات.
