التاتو في لبنان: فنّ مزدهر في غياب القانون
رغم انتشار التاتو في لبنان وتغيّر النظرة إليه، تبقى المهنة بلا تنظيم قانوني، ما يعرّض الزبائن للفوضى والمخاطر الصحية والتجارية.


انتشرت خلال السنوات الماضية، وعلى نطاق واسع، ظاهرة رسم الوشوم في لبنان، لتطال كل الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية، سواء عند الذكور أو عند الإناث. لكن، ورغم النمو في شعبية التاتو في لبنان، لا تزال مهنة رسم الوشوم غير مقوننة وغير خاضعة لأي أطر تنظيمية أو نقابية، ما يسهم في تشريع الفوضى التي تكون أولى ضحاياها دوماً الزبائن.
تحوّل النظرة إلى التاتو: من «الزعرنة» إلى التعبير الفني
-
تبدلت النظرة إلى التاتو في لبنان من علامة «للزعران»، إلى فن يستخدم الجسد للتعبير
خلال مدة زمنية قصيرة نسبياً، تبدلت النظرة إلى التاتو في لبنان من علامة «للزعران» و«الخارجين عن القانون»، إلى ما هو عليه فعلاً: فن يستخدم الجسد للتعبير عن فكرة أو ذكرى، أو فقط للتزيين.
رحلة التحوّل هذه لم تكن سهلة، خاصة أن «الناس كانت تربط الوشوم بالحرب الأهلية والمقاتلين الخارجين عن القانون الذين كانت تغطي الرسومات والشعارات أجساد الكثيرين منهم». أسهمت عوامل عدّة في كسر هذا التنميط، منها التطوّر التكنولوجي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والسفر واختلاط اللبنانيين بثقافات أخرى.
يقول هادي بيضون، أحد أوائل رسامي الوشوم في لبنان: «انتقلنا من زمن كان فيه المراهقون يخفون وشومهم عن أهلهم، إلى زمن بات الأهل يرافقون أولادهم لإجراء الوشوم». وتؤكد جوا أنطون، أول أنثى امتهنت رسم الوشوم في لبنان منذ حوالى 7 سنوات، أن «الطلب الأكبر على التاتو مصدره الفئة العمرية ما بين 30 و50 عاماً».
غياب التنظيم القانوني: مهنة خارج الأطر الرسمية
-
بعد انفجار مرفأ بيروت، قصد المئات الرسامين لرسم وشوم تُجسد الحدث أو اسم بيروت.
إذا كانت الفوضى سمة من سمات الحروب، فإنّ الانتقال إلى زمن السلم لم ينعكس إيجاباً على تنظيم مهنة التاتو في لبنان، التي لا تزال خارج أي رقابة قانونية.
يقول بيضون إنه توجه عام 1997 إلى وزارة الصحة للاستفسار عن الوضع القانوني للمهنة، ففوجئ بأن المسؤولين لم يكونوا على دراية بمعنى الكلمة. وأضافت أنطون: «وزارة الصحة لا تعترف برسم الوشوم على الجسد، بخلاف المكياج الدائم المعترف به والذي يُدرّس في معاهد لبنانية».
ونتيجة غياب المعاهد المختصة، يتعلم المبتدئون عبر الإنترنت أو دورات خاصة. يقول بيضون إن كلفة المعدات تراجعت من 6 آلاف دولار في التسعينيات إلى 200 دولار حالياً. وتشترط بعض الدول شهادات في النظافة والسلامة الصحية، وهو أمر مفقود في لبنان.
معاني الوشوم: بين العلاج والتعبير عن الذات
-
يلجأ البعض إلى وشوم دينية أو سياسية، أو حتى إلى تعديل وشوم قديمة
يحرص الفنانون على أن يحمل الوشم معنى لصاحبه. تقول أنطون: «حين لا يكون للوشم معنى، غالباً ما يرغب الزبون في إزالته لاحقاً». وتشير إلى أن التواصل مع الزبون ضروري لاكتشاف الرمزية الحقيقية للرسم.
وتضيف أن «الكثير من الزبائن الأجانب يقصدون لبنان بسبب هذه الخصوصية في التواصل»، مشيرة إلى أن اللبنانيين يرتبطون وجدانياً برمزية التاتو. بعد انفجار مرفأ بيروت، قصد المئات الرسامين لرسم وشوم تُجسد الحدث أو اسم بيروت.
ويلجأ البعض إلى وشوم دينية أو سياسية، أو حتى إلى تعديل وشوم قديمة مرتبطة بالحرب الأهلية.
أسعار التاتو ومتطلبات الجلسات
يختلف سعر الوشم باختلاف الفنان وخبرته. يقول بيضون: «كما في عالم الفن، يُحدد السعر بحسب الاسم». أما المدة التي يتطلبها رسم الوشم، فتعتمد على التفاصيل أكثر من الحجم.
وتوضح أنطون أن بعض الوشوم الصغيرة قد تتطلب وقتاً أكثر من وشوم أكبر، وقد يحتاج الرسم إلى جلسات عدة تفصل بينها 40 يوماً.
توصي أنطون بعدم التعرّض للشمس قبل الوشم، وتجنب السباحة 15 يوماً بعده لتفادي الالتهابات. وتشير إلى أن الألم المرتبط بالتاتو انخفض مع تطور المعدات، وإن كان يختلف بين شخص وآخر، وبين أماكن الجسم المختلفة.
التاتو كعلاج
-
الوشوم قادرة في الكثير من الأحيان على تقديم نوع من علاج نفسي
بعيداً من الجانب الجمالي للوشوم، مهما حملت من معانٍ عميقة، فإن الوشوم قادرة في الكثير من الأحيان على تقديم نوع من علاج نفسي للأشخاص المصابين بتشوّهات جسدية، سواء أكانت خلقية أم ناجمة عن حوادث معيّنة، كما وللنساء المصابات بسرطان الثدي.
وتشير أنطون إلى أن «الوشوم تغطي في الكثير من الأحيان ندوباً غير مرئية ونفسية. وبالنسبة إلى سرطان الثدي، فأنا أحاول المساعدة في هذا المجال وأقدّم جلستين أسبوعياً مجاناً. المرأة التي تعاني من سرطان الثدي تفقد الحلمة والصدر وتعاني من ندوب كثيرة.
وللأسف هنالك تصوّر أنه بمجرد إزالة الصدر ينقضي الأمر وتحل المشكلة. لا يوجد اهتمام بالبعد النفسي. كلفة وشم حلمة في لبنان تراوح ما بين 300 إلى 500 دولار، فيما يصل السعر في أوروبا إلى 1000 دولار. والتقنية باتت متطورة جداً ويصعب معرفة أنها تاتو. والنساء اللواتي لجأن إلى الوشوم اعتبرن أنهن استرددن حياتهن بكل ما للكلمة من معنى».
في السياق عينه، يكشف بيضون «أن عدداً من الأشخاص لجؤوا إلى الوشوم لإخفاء ندوب وجروح أصيبوا بها جراء انفجار المرفأ».
إزالة الوشم مكلفة ومؤلمة
-
مكن إزالة التاتو عبر آلة، ولكنها عملية مؤلمة ومكلفة
في غياب القوانين التي ترعى مهنة رسم الوشوم، وعدم وجود معاهد تمنح دروساً وشهادات معترف بها في هذا الاختصاص، يصبح من السهل على أي كان ادعاء الموهبة وتعريض أجساد الناس لتشوهات.
من هنا ضرورة أن يدقق من يرغب في رسم وشم على جسده في هوية وخبرة الفنان الذي سيقصده، كما أن يكون متأكداً من رغبته في رسم وشم على جسده كي لا يندم لاحقاً. فكلفة التهور والندم غالية.
تبيّن أنطون أنه «يمكن إزالة التاتو عبر آلة، ولكنها عملية مؤلمة ومكلفة نظراً إلى عدد الجلسات اللازمة لإزالة الوشم. فإزالة أي وشم تتطلب في الحد الأدنى 5 جلسات وقد تصل إلى 12 جلسة. وكلفة الجلسة تراوح بين 50 دولاراً و300 دولار، بحسب حجم الوشم».
