مادلين فيونيه: المرأة التي حرّرت الجسد وأعادت تعريف الأناقة
مادلين فيونيه، المصمّمة التي حرّرت جسد المرأة من الكورسيه وابتكرت قصّة الـBias Cut، محدثة ثورة في عالم الأزياء والحقوق العمالية.


كقصص «ألف ليلة وليلة»، هناك حكايات من الإبداع والثورات الابتكارية التي تُنسى أحياناً أو تُنسب إلى غير أصحابها. واحدة من هذه القصص هي حكاية المصمّمة الفرنسية مادلين فيونيه، المعروفة بـ«مدام فيونيه»، التي أحدثت ثورة في عالم الموضة وجعلت من الأناقة فناً حراً يتنفس.
أكثر من مجرد مصمّمة أزياء
وُلدت مادلين فيونيه عام 1876 في فرنسا، ابنة ضابط في منطقة «جورا». هجرتها والدتها وهي في الثانية عشرة، فاضطرت إلى العمل في تطريز الدانتيل داخل دار أزياء في باريس. وبعد زواج فاشل وفقدان ابنها، انتقلت في الثامنة عشرة من عمرها إلى لندن للعمل في استوديو «كيت ريلي»، الخياطة الرسمية للبلاط الملكي البريطاني.
عادت لاحقاً إلى باريس بعلاقات واسعة في عالم الموضة، وعملت مع «جاك دوسي» في مجال الكوتور قبل أن تفتتح دارها الخاصة عام 1912 في شارع «ريفولي».
«أحبّ الزينة فقط إذا أتت في المرتبة الثانية بعد هندسة الفستان»
مادلين فيونيه
ثورة الـBias Cut: الخط المائل الذي غيّر تاريخ الأزياء
تميّزت مجموعاتها بالقصّات المستوحاة من الفن الكلاسيكي والأقمشة الانسيابية التي تمنح المرأة حرية الحركة بعيداً من قيود الكورسيه.
وكانت ثورتها الكبرى في ابتكار القصّة المائلة Bias Cut، التي تعتمد على قصّ القماش بزاوية 45 درجة، ما يتيح له التمدد بسلاسة حول الجسد وإبراز المنحنيات الطبيعية دون الحاجة إلى تصاميم ضيقة أو معقدة.
-
مادلين فيونيه
هذه التقنية لم تحرّر القماش فقط، بل حرّرت جسد المرأة من القوالب التقليدية للأناقة. كما ألغت فيونيه الخياطات الداخلية واستبدلتها بحواف مطوية تزيد التصميم نعومة وبساطة.
-
قصّة Bias Cut
مصمّمة ومناضلة في آنٍ واحد
لم تكن مادلين فيونيه مصمّمة فقط، بل كانت أيضاً رائدة في الدفاع عن حقوق العاملين في الأزياء. آمنت بأن الجمال لا يكتمل إلا في بيئة عمل إنسانية، فوفّرت لموظفيها مقاعد مريحة، ورعاية صحية، وأجواء عمل تراعي الراحة والإبداع. كما كانت من أوائل من نادوا بحقوق الملكية الفكرية لتصاميم الأزياء، دفاعاً عن الفن من التقليد والسطو.
-
آمنت بأن الجمال لا يكتمل إلا في بيئة عمل إنسانية
اعتزال وبقاء تأثيرها
اعتزلت فيونيه عالم الموضة عام 1939 بعد مسيرة نالت خلالها احترام عمالقة المجال مثل كريستيان ديور، الذي قال: «لم يسبق لأحد أن ارتقى بفن الخياطة إلى مستوى فيونيه».
ألهمت تصاميمها نجمات تلك الحقبة بفستان «حورية البحر» الشهير، ووصفتها محرّرة الموضة ديانا فريلاند بأنها «مهندسة تُعتبر ابتكاراتها أعمالاً فنية بكلّ ما للكلمة من معنى».
ورغم مسيرتها القصيرة، فإن تأثيرها ما يزال حاضراً حتى اليوم. استلهم من أعمالها كبار المصمّمين مثل إيسي مياكي، عز الدين علية، جون غاليانو، يوهي ياماموتو و«كوم دي غارسون».
وفي عام 2023، استحوذت شركة ChimHaeres على دار «فيونيه» بهدف إعادة إطلاقها برؤية عصرية توظف التكنولوجيا، فتم إصدار ثلاث مجموعات مصغّرة محدودة الإصدار تكريماً لإرثها الخالد، كما ظهرت لمساتها بوضوح في مجموعة أزياء الكوتور لصيف 2024 من تصميم جون غاليانو لدار «ميزون مارجيلا».
