هل يعمل خيار «إيقاف التتبع» في أجهزة «آبل» فعلاً؟
تجارب حديثة تُظهر أن خيار «إيقاف التتبّع» في «آيفون» لا يمنع جمع جميع البيانات، بل يوفّر حماية جزئية تثير تساؤلات حول وعود «آبل» بالخصوصية.


حين طرحت شركة «آبل» عام 2021 ميزة «شفافية تتبّع التطبيقات» (App Tracking Transparency) في نظام تشغيلها «آي أو إس 14.5»، قدّمتها بوصفها درعاً لحماية خصوصية المستخدمين، مانعةً التطبيقات من تتبّع نشاطهم أو مشاركة بياناتهم من دون إذن مسبق.
لكن منذ ذلك الحين، تزايدت تساؤلات المستخدمين والخبراء: هل تعمل هذه الميزة فعلاً؟ أم أنها مجرّد خطوة تسويقية لتعزيز صورة «آبل» كحارس للخصوصية؟
تجربة عملية تكشف المفاجأة
الإجابة جاءت من الباحث الأمني «تيم» (Tim)، الذي أجرى تجربة ميدانية ونشر نتائجها على مدوّنة Y Combinator. استخدم «تيم» هاتف «آيفون 11» جديداً بالكامل، حمّل عليه لعبة واحدة فقط، وفعّل خيار «عدم تتبّع النشاط»، ثم لجأ إلى أدوات تحليل لرصد البيانات التي يرسلها الهاتف إلى خوادم خارجية.
النتائج كانت لافتة:
- جمعت اللعبة أكثر من 20 معرّفاً مختلفاً، من بينها معرّف الجهاز، ومعرّف الجلسة، ومعرّف عمليات الشراء، رغم تعطيل خاصية التتبّع.
- أُرسلت أكثر من 200 نقطة بيانات إلى خوادم خارجية، شملت نوع الهاتف، موقعه الجغرافي، ونوع الشبكة.
- وصلت بعض البيانات إلى منصة «فايسبوك» وشركة Moloco الإعلانية، رغم عدم تثبيت أي تطبيق تابع لشركة «ميتا».
وبذلك، تبيّن أن تفعيل خيار «عدم التتبّع» لا يمنع نقل البيانات بالكامل، بل يحدّ فقط من الوصول إلى معرّف الإعلانات الرسمي الخاص بـ«آبل».
كيف تعمل ميزة «شفافية التتبّع» أساساً؟
تتيح هذه الميزة للمستخدم منع التطبيقات من استخدام معرّف الإعلانات (IDFA)، وهو رقم فريد تستخدمه الشركات لربط بيانات المستخدم عبر التطبيقات والأجهزة المختلفة. عند تفعيل الخيار، لا يمكن للتطبيقات الوصول إلى هذا المعرّف أو مشاركته مع أطراف ثالثة مثل شركات الإعلان أو التحليلات.
لكن المفارقة تكمن في أن الميزة لا تمنع جمع البيانات التي يُدخلها المستخدم بنفسه، مثل البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف، ولا تمنع أيضاً التتبّع الداخلي داخل التطبيق نفسه.
بمعنى آخر، تمنع «آبل» الربط بين مصادر البيانات المختلفة، لكنها لا تمنع عملية الجمع بحدّ ذاتها.
نتائج متباينة… و«نعم ولا» هي الإجابة الأقرب
أدّى إطلاق الميزة إلى تراجع معدّل التتبّع الإعلاني في الولايات المتحدة من 73% إلى 18%، ما يشير إلى التزام جزئي من عدد كبير من الشركات بالقواعد الجديدة.
في المقابل، طوّر المطوّرون أساليب بديلة لتتبّع الأجهزة من دون استخدام معرّف الإعلانات، مثل تحليل إعدادات الهاتف أو نمط الاتصال بالشبكة، بالاستعانة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
ويرى الباحثون أن الإجابة الأدق عن سؤال «هل يعمل خيار إيقاف التتبّع؟» هي: نعم ولا في آن واحد.
نعم، لأنه يحدّ من وصول الشركات إلى بعض البيانات الحساسة.
ولا، لأنه لا يمنع تماماً جمع وتحليل البيانات الأخرى التي تتيحها التطبيقات طوعاً.
تداعيات اقتصادية… واتهامات متبادلة
عند طرح الميزة للمرة الأولى، تكبّدت «ميتا» خسائر قُدّرت بنحو 12.8 مليار دولار من الأرباح خلال عام 2022، نتيجة تراجع فعالية الإعلانات الموجّهة عبر الأجهزة المحمولة.
ومنذ ذلك الحين، تصاعد الجدل بين شركات التكنولوجيا الكبرى، إذ تتهم «ميتا» و«غوغل» شركة «آبل» باستخدام الخصوصية غطاءً لتعزيز هيمنتها على سوق الإعلانات داخل نظامها البيئي المغلق.
الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي
مع تطوّر أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت آليات التتبّع أكثر تعقيداً، إذ بات في الإمكان استنتاج هوية المستخدم من أنماط الاستخدام وحدها، من دون الحاجة إلى معرّفات مباشرة.
وهذا يعني أن معركة الخصوصية لم تعد محصورة بين المستخدمين والمعلنين، بل أصبحت صراعاً بين الخوارزميات نفسها.
وفي نهاية المطاف، قد يكون خيار «إيقاف التتبّع» مجرّد طبقة حماية جزئية، فيما تستمر البيانات الرقمية في الحركة ضمن فضاء أوسع من قدرة أي ميزة واحدة على السيطرة عليه بالكامل.


