«اتفاق مكة»: بداية خليج ما بعد أميركا؟
يكشف الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان تحوّلاً في حسابات الرياض الأمنية، مع تآكل صورة الردع الأميركي والبحث عن ضمانات إضافية، وسط سؤال عمّا إذا كان ذلك يمهّد لـ«خليج ما بعد أميركا» أم يعيد إنتاج السياسة الأميركية بأدوات إقليمية.


الأهم في الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان ليس ما إذا كان سيصبح حلفاً عسكرياً فعلياً، ولا ما إذا كانت جيوش الدول الثلاث ستقاتل يوماً في جبهةٍ واحدةٍ، بل إن السعودية التي بنت أمنها طوال عقودٍ على العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تقول عملياً إن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد كافيةً وحدها، وإن وضع كل البيض الأمني في السلّة الأميركية لم يعد سياسةً قابلةً للاستمرار.
هذه هي الدلالة الأولى، فالسعودية لم تنقلب على أميركا ولم تتخل عن السلاح الأميركي ولا عن التعاون العسكري معها، لكنها بدأت تنهي احتكار واشنطن لوظيفة الحماية في الخليج، وهذا أهم من أي قطيعةٍ معلنةٍ، لأن النفوذ الأميركي في الخليج لم يقم فقط على القواعد والطائرات، بل على إقناع دول المنطقة بأن لا أمن ممكناً من دون الولايات المتحدة، وعندما يبدأ الحليف نفسه بالبحث عن بدائل يكون الخلل قد أصاب الفكرة قبل أن يصل إلى القاعدة العسكرية.
الدلالة الثانية تتصل بالجمهورية الإسلامية في إيران، لأن الحرب أظهرت أن التفوق العسكري الأميركي لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتيجة السياسية، فقد تلقت إيران ضرباتٍ عديدة لكنها بقيت قادرةً على الرد وفرض معادلة وكلفةٍ على خصومها وعلى البيئة الإقليمية الراعية لتلك الهجمات، فيما وجدت دول الخليج نفسها مضطرةً إلى حساب أخطار استمرار المواجهة على أمنها واقتصادها، الى أن برز السؤال عن معنى المظلّة الأميركية إذا كانت الدولة التي تستظل بها تحتاج بعد الحرب إلى مظلّةٍ أخرى.
لا يعني ذلك أن الجيش الأميركي هُزم بالمعنى التقليدي، بل إن التجربة أصابت صورة الردع الأميركي، لأن الحليف الذي قيل له إن واشنطن هي الضامن الأخير خرج من الحرب يبحث عن ضماناتٍ إضافية: وباكستان تحاول أن تقدم للسعودية ثقلاً عسكرياً ونووياً، وتركيا تقدم صناعةً دفاعيةً وخبرةً عسكريةً، فيما تقدم السعودية للطرفين المال والسوق والاستثمار، أي إن المسألة تبادل مصالحٍ لا اجتماعاً للأخوّة الإسلامية، وهو أمرٌ أكثر واقعيةً على كل حال.
ويبقى السؤال الذي سيتغافل عنه كثيرون، ماذا إذا دخلت باكستان في مواجهةٍ واسعةٍ مع الهند، فهل ستعتبر تركيا والسعودية نفسيهما في حربٍ معها؟ وهل ستصبح كشمير فجأةً جزءاً من الأمن القومي السعودي؟ أم أن عبارة «الاعتداء على واحدٍ اعتداءٌ على الجميع» ستحتاج عند أول امتحانٍ إلى كثيرٍ من الشروح والحواشي؟
عبارة «الاعتداء على واحدٍ اعتداءٌ على الجميع» ستحتاج عند أول امتحانٍ إلى كثيرٍ من الشروح والحواشي
أما الدلالة الثالثة فهي الأكثر إحراجاً، لأن الدول الثلاث استطاعت عندما تعلق الأمر بأمنها المباشر أن تنتقل من الكلام إلى مفهوم الردع الجماعي، لكنها عندما تصل إلى غزة الإسلامية تعود فوراً إلى قاموس الإدانة والقلق والمطالبة بتحرك المجتمع الدولي، لتصبح مسألة الردع الى مسار عملي عاجل حين يتعلق الأمر بأمن العواصم، ثم يتحول إلى مسألةٍ أخلاقيةٍ عندما يكون الفلسطيني هو المستهدف.
ليس المطلوب إرسال الجيوش إلى غزة، لكن من حق الفلسطيني أن يسأل لماذا أمكن إنشاء التزامٍ دفاعيٍ لحماية ثلاث دولٍ ولم يمكن إنشاء منظومة ضغطٍ حقيقيةٍ تجعل العدوان الإسرائيلي مكلفاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، لأن فلسطين بقيت طوال عقودٍ جزءاً من الخطاب العربي والإسلامي أكثر مما كانت جزءاً من مفهوم الأمن نفسه.
والخطر هنا أن يتحول اتفاق مكة إلى حلفٍ سنيٍ ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، لأن ذلك لن يكون خروجاً من المشروع الأميركي، بل استمراراً له بأدواتٍ أخرى، فجوهر السياسة الأميركية في المنطقة كان دائماً دفع دولها إلى الخوف من بعضها ثم عرض الحماية عليها، بينما يبدأ الاستقلال الحقيقي عندما تدرك هذه الدول أن أمن أيٍ منها لا يمكن أن يُبنى على خراب الأخرى.
لذلك لا تكمن أهمية الاتفاق في معرفة ما إذا كانت تركيا ستقاتل الهند أو ما إذا كانت باكستان سترسل قواتٍ للدفاع عن السعودية، بل في أن الرياض لم تعد مقتنعةً بأن الطريق إلى الأمن يمر حصراً بواشنطن، وهذه وحدها خسارةٌ أميركيةٌ مهمةٌ، لأن الإمبراطوريات تبدأ بالتراجع عندما يفقد الحليف إيمانه بأن لا بديل منها.
لكن لا يمكن لمراقب أن يستبعد أن يكون هذا الاتفاق استمرار لمسار الاندفاعة الأمريكية في المنطقة سيما إثر تآكل الردع بعد الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولكن مع ذلك فالأهم أن الرياض بدأت تسأل نفسها لماذا تضع البيض كله في السلة الأمريكية من الأساس وربما قد تكون هذه البداية لمسار «خليج ما بعد أمريكا».
