
بعد أشهر قليلة على نشأتها، بدأت منصّة Monnett تكتسب زخماً بين المستخدمين الأوروبيين كملجأ رقمي جديد يستجيب لتطلّعات القارة العجوز في ظلّ المطبّات السياسية في العلاقة بينها وبين إدارة دونالد ترامب.
تعثّر ثمّ نهوض
رغم البداية الصعبة، إذ تخلّلت الانطلاقة في تشرين الأول (أكتوبر) المنصرم مشكلة تقنية في نسخة iOS عطّلت إنشاء الحسابات في الساعات الأولى، غير أنّ هذا التعثّر لم يُخفِ جوهر المشروع، بل بدا منسجماً مع جوهر فكرة المنصّة التي تُقدّم نفسها بوصفها محاولة جماعية لبناء شبكة اجتماعية «للناس، لا للخوارزميات».
في هذا السياق، تُعرّف Monnett، المصنوعة في لوكسمبورغ، نفسها كمنصّة اجتماعية إنسانية ترفض منطق المراقبة الرقمية، وتَعِد بتجربة تواصل مألوفة من حيث الشكل، لكن مختلفة جذرياً من حيث الحوكمة. فبدلاً من الخلاصات التي تُدار بالذكاء الاصطناعي وتُصمَّم لتعظيم التفاعل والإعلانات، تتيح المنصّة تخصيص المحتوى، وتمنح المستخدمين، أو «الناس» كما تُصرّ على تسميتهم، قدرة مباشرة على التحكم بما يظهر أمامهم.
إلى جانب ذلك، تقول Monnett إنّها لا تجمع بيانات سلوكية لأغراض إعلانية، ولا تسمح بما تصفه بـ«نفايات الذكاء الاصطناعي»، كما ترفض استخدام نماذج لغوية كبيرة أو أنظمة تعلّم آلي لتصنيف المحتوى أو اقتراحه. وفي هذا المجال، يعتبر المسؤول عن تطوير المنتج، فيليب غامان، أنّ بيانات السلوكيات «يجب أن تعود لأصحابها، لا للخوارزميات ولا لأنظمة المراقبة».
من جهة أخرى، تعتمد المنصّة الأوروبية نموذج اشتراكات اختيارية عوضاً عن الإعلانات الموجّهة، في محاولة لفكّ الارتباط البنيوي بين البقاء المالي للمنصّة واستنزاف البيانات. ورغم نيتها إطلاق مساحة إعلانية لاحقاً، تؤكد أنّها ستكون خالية من الاستهداف الدقيق أو التتبّع الخفي.
السياسة في قلب المشروع
لا تكمن أهمية Monnett فقط في خصائصها التقنية، بل في اللحظة السياسية التي وُلدت فيها. فأوروبا تعيش منذ سنوات مواجهة متصاعدة مع المنصّات الأميركية والصينية، على خلفية قضايا الخصوصية، والشفافية، والتحكّم بالخوارزميات. وقد تحوّل «قانون الخدمات الرقمية» إلى ساحة اشتباك مفتوحة مع شركات مثل «ميتا» و«تيك توك» و«إكس»، شملت غرامات، وتحقيقات، واتهامات بعرقلة وصول الباحثين إلى البيانات، والتقصير في حماية المستخدمين.
يتقاطع هذا التوتّر التنظيمي مع مناخ سياسي أكثر حدّة، خصوصاً في ظلّ عودة إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، وما رافقها من اتساع الفجوة السياسية بين واشنطن وبروكسل. في هذا السياق، لم تعد مسألة السيادة الرقمية الأوروبية ترفاً تنظيرياً، إنّما تحوّلت إلى مطلب استراتيجي، تسعى من خلاله القارّة إلى تقليص اعتمادها على بنى تحتية رقمية تُدار من خارجها، وتخضع لأولويات سياسية وتجارية لا تتحكّم بها.
من هنا، تعدّ Monnett أكثر من مجرّد منصّة جديدة في سوق مزدحم، بل ترتقي إلى مستوى اختبار عملي لفكرة تراود أروربا منذ مدّة، وهي بناء سوشال ميديا خارج منطق الهيمنة الخارجية، تحديداً الأميركية، من خلال إنشاء نموذج يضع الخصوصية والإنسان في المقدّمة، لا الخوارزميات وإيرادات الإعلانات.

