
قضت المحكمة العليا في لندن بعدم قانونية قرار الحكومة البريطانية تصنيف مجموعة «فلسطين أكشن» كمنظمة إرهابية بموجب قانون الإرهاب لعام 2000، في حكمٍ وُصف بأنّه ضربة قانونية موجعة لسياسة وزارة الداخلية. لكنّ القرار لا يعني إسقاط الحظر فوراً، إذ أبقته المحكمة قائماً بشكل مؤقت إلى حين البتّ في مسألة الطعن الذي أعلنت وزيرة الداخلية عزمها تقديمه أمام محكمة الاستئناف.
وجاء الحكم بعد طعن قانوني تقدّمت به المشاركة في تأسيس المجموعة، هدى عموري، ضدّ قرار وزيرة الداخلية شابانا محمود، التي كانت قد أدرجت «فلسطين أكشن» على قائمة المنظمات المحظورة في تموز (يوليو) من العام الماضي، ما جعل الانتماء إليها أو إظهار الدعم لها جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن 14 عاماً. مع العلم، أنّ شابانا محمود تعدّ أول امرأة مسلمة من أصول باكستانية تتولّى هذا المنصب الرفيع في تاريخ المملكة المتحدة.
تصنيف «غير قانوني»
خلصت هيئة المحكمة العليا، برئاسة القاضية فيكتوريا شارب، إلى أن قرار حظر المجموعة شابَه خللان أساسيان. ووفق شبكة «بي بي سي» البريطانية، تمثّل الأول في أن الحظر شكّل «تدخّلاً بالغ الأهمية» في حرية التعبير وحرية التجمّع، وهما حقّان محميّان في القانون البريطاني وفي الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ورأت المحكمة أن التصنيف حمل أثراً رادعاً واسعاً، إذ قد يدفع متظاهرين مؤيدين للقضية الفلسطينية إلى ممارسة رقابة ذاتية خوفاً من الملاحقة.
أمّا الخلل الثاني، فتعلّق بعدم التزام وزارة الداخلية بسياستها الخاصة في ما يتصل بقرارات الحظر، والتي تفرض أخذ طبيعة أنشطة التنظيم وحجمها ومدى التهديد الذي يشكّله على المملكة المتحدة في الاعتبار. واعتبرت المحكمة أن القرار لم يثبت على نحوٍ كافٍ أن أنشطة «فلسطين أكشن» ترقى إلى مستوى التهديد الإرهابي الذي يبرّر هذا الإجراء الاستثنائي.
مع ذلك، شددت المحكمة على أن المجموعة «تروّج لقضيتها السياسية عبر أفعال إجرامية وتشجيع على ارتكابها»، لكنها رأت أن تجريم الانتماء أو الدعم بحدّ ذاته غير متناسب.
على الرغم من وصف القرار بأنّه انتصار قانوني كبير للمجموعة، فإن الحظر لم يُلغَ بعد. وأعلنت المحكمة نيتها إصدار أمر بإبطاله، لكن بعد الاستماع إلى مرافعات إضافية حول ما إذا كان يجب إبقاؤه سارياً إلى حين الفصل في الاستئناف المحتمل.
من جهتها، أكّدت وزارة الداخلية البريطانية صراحة عزمها الطعن أمام محكمة الاستئناف، ما يعني أن الملف قد يبقى مفتوحاً لأشهر. وفي هذه الأثناء، يظلّ إظهار الدعم للمجموعة مجرّماً نظرياً، وإن كانت شرطة لندن قد أعلنت وقف الاعتقالات الفورية والاكتفاء بجمع الأدلة.
اللافت أن حوالي ثلاثة آلاف شخص أُوقفوا منذ دخول الحظر حيّز التنفيذ بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، بعضهم لمجرد حمل لافتات كُتب عليها «أعارض الإبادة وأدعم فلسطين»، فيما وُجّهت اتهامات إلى مئات منهم. وبات مصير هذه القضايا معلّقاً، بانتظار إسقاط الحظر لاحقاً لفتح الباب أمام إلغاء التهم المرتبطة به.
-
تحرّكت «فلسطين أكشن» ضدّ شركات الأسلحة الإسرائيلية.
من هي «فلسطين أكشن»؟
تأسست «فلسطين أكشن» في صيف عام 2020 كمجموعة عمل مباشر تستهدف شركات السلاح المرتبطة بإسرائيل داخل المملكة المتحدة، وعلى رأسها شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية، وهي واحدة من كبريات شركات تصنيع السلاح والمعدات العسكرية، وتشتهر بتصميم الطائرات بدون طيار وأنظمة الحرب الإلكترونية وتقنيّات الأمن السيبراني، إلى جانب تصنيع الذخائر والمركبات القتالية.
وانطلقت أولى عمليات «فلسطين أكشن» في 30 تموز (يوليو) 2020 عبر اقتحام مقر «إلبيت» في لندن ورشّه بالطلاء الأحمر، في خطوة أعلنتها تدشيناً رسمياً لنشاطها. منذ ذلك الحين، تبنّت المجموعة استراتيجية «الإغلاق والتخريب الرمزي» عبر احتلال أسطح المصانع وإغلاق المداخل وتقييد الأبواب بالسلاسل ورشّ الطلاء الأحمر على الواجهات، وأحياناً إلحاق أضرار بالمعدات.
وتتبنّى المجموعة صراحةً هدف إغلاق «إلبيت» وإنهاء مشاركة بريطانية في «نظام إبادة وفصل عنصري». وتشير إلى أن حملتها ساهمت في إغلاق مكتب الشركة في حي كينغزواي بلندن وبيع مصنع في أولدهام.
لكن السلطات البريطانية اعتبرت في تصاعد هذه العمليات، خصوصاً بعد اقتحام منشأة قرب بريستول عام 2024 وإلحاق أضرار كبيرة بها، إضافة إلى حادثة دخول قاعدة سلاح الجو الملكي «برايز نورتون»، «أعمالاً ترقى إلى مستوى الإرهاب». كما استنفر رئيس الوزراء كير ستارمر لحماية مصالح إسرائيل العسكرية في ذروة حرب الإبادة على قطاع غزة والعدوان الواسع على لبنان، واصفاً إحدى تلك العمليات بأنها «مشينة»، فيما برّرت الحكومة الحظر بكون أنشطة المجموعة «تجاوزت حدود الاحتجاج المشروع».
جدل قانوني وسياسي
أثار قرار وضع «فلسطين أكشن» في مرتبة واحدة مع تنظيمات مثل «داعش» و«القاعدة» انتقادات واسعة من منظمات حقوقية، من بينها «منظّمة العفو الدولية»، التي رأت في الخطوة توسّعاً خطيراً في استخدام قوانين الإرهاب لتقييد الاحتجاج السياسي.
في المقابل، قالت الحكومة إنّ الحظر لا يمنع التظاهر دعماً لفلسطين، بل يجرّم فقط دعم منظمة بعينها. إلا أن المحكمة رأت أن الأثر العملي للحظر يتجاوز ذلك، ويخلق مناخاً من الخوف قد يقيّد الخطاب العام.
لذلك أتى قرار المحكمة العليا الأخير في سياق التصدّي لمنهج الحكومة البريطانية الذي لا ينحصر في محاسبة أشخاص لارتكابهم أفعال تخريبية، بل تجاوز ذلك ليتحوّل إلى «شمّاعة» يُلاحَق من خلالها أي متضامن مع فلسطين، في محاولة لصدّ الحراك الثقافي والشعبي الواسع في البلاد ضدّ الجرائم المرتكبة في غزة.
بريطانيا تتغيّر
لا تنفصل القضية عن تحوّل أوسع تشهده الساحة البريطانية منذ اندلاع الحرب على غزة. فخلال العامين الأخيرين، خرجت تظاهرات حاشدة في لندن ومدن أخرى، وبرزت شبكات تضامن طلابية وثقافية وأكاديمية تطالب بوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل ومراجعة العلاقات العسكرية.
من جانبٍ آخر، أعلن فنانون وكتّاب وأكاديميون دعمهم العلني للقضية الفلسطينية، فيما تحوّلت الجامعات إلى ساحات اعتصام ونقاش مفتوح حول مسؤولية بريطانيا التاريخية والسياسية، خصوصاً لجهة وعد بلفور. ومن رحم هذا الحراك الشعبي تشكّلت الخلفية الاجتماعية والسياسية التي نمت فيها «فلسطين أكشن».
لم ينهي الحكم الصادر عن المحكمة العليا المشكلة القضائية بشكل نهائي، لكنه يعكس حساسية متزايدة داخل المؤسسة القضائية تجاه استخدام تشريعات الإرهاب في سياقات الاحتجاج السياسي. على المقلب الآخر، يشكّل استعداد الحكومة البريطانية لجولة جديدة في محكمة الاستئناف رسالة صريحة على انحيازها المستمرّ إلى جانب «إسرائيل» عبر تجريم الاحتجاجات التضامنية مع فلسطين. وبين سطور هذه المعركة، تتخلّى السلطة السياسية في بريطانيا عن أدبيّاتها التقليدية في حماية حرية الرأي وحقوق الإنسان وصون مبادئ الأمم المتحدة، جميعها في أعين حكومة لندن تضحيات ضرورية حمايةً لابنتها الضالّة، «إسرائيل».

