
موعدٌ لدى طبيب ليست أسبابُه إيجابية عموماً، ولا نتائجُه سلبية بالضرورة، لكنّه مُقلقٌ بكل الأحوال. هي قاعدة ولكل قاعدة استثناءٌ يؤكِّدُها: جورج حدّاد، جرّاح الأعصاب الذي حدّد موعداً مفتوحاً للجميع (متحف سرسق)، لتشريح واحدة من بنات دماغ باخ: «تنويعات غولدبرغ». لا قلق قبل الموعد ولا خلاله ولا بعده، واحتمال السلبيات معدومٌ لصالح إيجابيات أكيدة. العمل، بحسب الرواية التاريخية، وضعه المؤلّف الألماني بطلب من كارل فون كايزرلينغ، وهو، بلغة اليوم، موازٍ لسفير روسيا في ألمانيا (وبولونيا). الديبلوماسي الشهير (بفعل عبقرية باخ، لا بفضل منصبه وإنجازاته) كان مصاباً بأرقٍ مزمنٍ وأراد علاجاً موسيقياً (الفتى الذي كان يعزف العمل لكايزرلينغ، يوهان غوتليب غولدبرغ، أعطى لاحقاً اسمه للعمل)، للتخفيف من وطأة الضجر في ساعات الليل الطويلة أو ربما لاستجلاب النعاس الغائب.
إنه عبارة عن موضوع لحني (Aria) تليه تنويعات، غير مستنِدة إلى الجملة الأساسية من اللحن (وهذا استثناء في كل الأعمال من ذات الفئة، قبل باخ وعنده وبعده) بل مبنية، وبشكل «موارب»، إلى اللحن المرافق (اليد اليسرى أو ما يسمّى بـ«غراوند»). وبعد ثلاثين محطة، عودة إلى البداية لختم الدائرة، أو ”دورة الحياة“ كما وصَفها بعض علماء الموسيقى، من حيث انطلق العمل (Aria Da Capo). إذاً، عَملياً، ما يُشَرِّحُه ويُشخّصه جورج حدّاد، لمعالجته في محاضرته ضمن دورة «مهرجان البستان»، ليس المريض ولا الداء... إنّما الدواء. هو دواءٌ لمعالجة كل الأمراض، بما فيها الاجتماعية، وليس الأرق أو الضجر فحسب. أو ربّما، أقَل ما يداويه هذا العمل هو الأرق، وأحياناً، قد يسبّبه بدل أن يعالجه، لما لديه من قدرة على إبقاء الدماغ مستنفراً أمام هجومٍ من الأصوات الشديدة التعقيد والجمال في آن، لنحو ساعة!
بكل الأحوال، لنترك الطبيب يشتغل شغله ولنستمع منه إلى التشخيص الذي أعدّه. المحاضرة تأتي تمهيداً لإحدى أمسيات «مهرجان البستان» (نعود إليه بالتفصيل عشية انطلاق دورته في 24 شباط/فبراير الجاري)، وهو ما دأب جورج حدّاد على القيام به في السنوات السابقة، حيث تعدّدت المواضيع التي تناولها تماشياً مع توجّه دورة المهرجان عموماً، أو مع أمسية محدّدة. الموسيقى، سمعاً وبحثاً، تشكّل محوراً أساسياً في حياته ونشاطه العلني غير المهني، بالأخص الموسيقى الكلاسيكية الغربية، دون أن ينحصر اهتمامه بها، مع عشق خاص اسمه باخ. هذا ما نعرفه من محاضراتٍ سابقة له، وكذلك من باكورته الروائية الصادرة بالفرنسية قبل سنة تقريباً (Fais signe à la nuit) إذ يظلِّل حبكتها شريطٌ موسيقي من البداية حتى النهاية، ويتنوّع بين أنماط وتيّارات مختلفة، ولو أنّنا ندرك بسرعة من هو الملك بالنسبة إليه. السبب؟ لا بدّ أنه يرى في موسيقى باخ صورةً صوتية موازية لتعقيدات الدماغ، أو ربما ترويضاً لهذا العضو الثائر في جسمنا.
كما في مواعيد سابقة، سيتناول جورج حدّاد عمل باخ الضخم من جوانبه التاريخية والفنية، مروراً بالعناصر التي تساعد على تقريب هذه التحفة من الأذُن والقلب، مستنداً إلى أمثلة ومقتطفات سمعية وبصرية، لتمرّ جلسة المعالجة الشيّقة «عَ سلامة» و… عَ سلامة!
محاضرة لجورج حدّاد حول «تنويعات غولدبرغ» لباخ، الإثنين 16 شباط/فبراير، الساعة السادسة عصراً في «متحف سرسق». الدعوة عامة.

