
انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي غضباً بعدما أوقفت السلطات في الكيان العبري الصحافي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون خلال زيارته إلى تل أبيب. وبينما حاول الاحتلال نفي حصول الواقعة، أكّدت تقارير إعلاميّة عدّة على تعرّض كارلسون مع فريقه للاحتجاز في مطار مطار بن غوريون، حيث جرت مصادرة جوازات سفرهم، واقتياد أحد مساعديه إلى غرفة تحقيق، عقب مقابلة أجراها مع السفير الأميركي لدى «إسرائيل» مايك هاكابي.
لماذا جاء؟ ومن قابل؟
وكان كارلسون، المعروف بمواقفه المحافظة ودعمه الصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد وصل إلى تل أبيب لإجراء مقابلة مع مايك هاكابي، السفير الأميركي الذي تربطه به معرفة تمتد لسنوات. وجاءت الدعوة على إثر سجال علني بين الطرفين حول ما وصفه كارلسون بـ«المعاملة الصادمة» للمسيحيين داخل الكيان واتهامه هاكابي بعدم توفير الحماية الكافية لهم.
ووفق ما نقلته شبكة Middle East Eye، فإن اللقاء عُقد بالفعل، غير أنّ التوتّر بدأ بعده مباشرةً، حين أوقف عناصر أمن المطار كارلسون وفريقه، وطلبوا معرفة فحوى حديثه مع السفير.
من جهته، كشف كارلسون في تصريح نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أنّ «رجالاً عرّفوا أنفسهم بأنّهم أمن المطار أخذوا جوازات سفرنا، واقتادوا المنتج التنفيذي إلى غرفة جانبية، وطالبوا بمعرفة ما تحدّثنا به مع السفير». وأضاف «كان الأمر غريباً.. ونحن الآن خارج البلاد».
المسيحيون في قلب الزيارة
لم تكن الزيارة بروتوكولية، إذ أنّ خلفيّتها تعود إلى اتهامات وجّهها كارلسون تتعلّق بتعرّض مسيحيين في الأراضي المقدّسة لاعتداءات ومضايقات من متطرّفين يهود، من بينها البصق والتخريب والاعتداء الجسدي. وأثار الملفّ توتّراً علنياً بينه وبين هاكابي، الذي يُعرف بمواقفه الداعمة للاستيطان.
ولاحقاً، نشر كارلسون مقابلة أخرى مع فراس إبراهيم، وهو مسيحي فلسطيني من بيت ساحور، تحدّث فيها عن جذور عائلته الممتدّة لقرون، وعن عنف المستوطنين، وسرقة الأراضي، والتضييق الذي يدفع المسيحيين إلى الهجرة. لذلك أعادت المقابلة تسليط الضوء على واقع المسيحيين الفلسطينيين، في سردية نادراً ما تحظى بمساحة داخل الإعلام الغربي المحافظ.
Greetings from Israel. pic.twitter.com/1uBWvqBNST
— Tucker Carlson (@TuckerCarlson) February 18, 2026
هل مُنع من الدخول؟
من جهتها، أفادت القناة 13 الإسرائيلية بأنّ السلطات الإسرائيلية فكّرت في منعه من الدخول، قبل أن تتراجع خشية وقوع «حادث دبلوماسي». في المقابل، نفت السفارة الأميركية في تل أبيب تعرّضه للاحتجاز، وقالت إنّه خضع لإجراءات «اعتيادية» مماثلة لما يمرّ به أي زائر.
غير أنّ رواية كارلسون، وتصريحاته اللاحقة بأنّه غادر البلاد بعد ساعات قليلة، غذّت الشكوك حول طبيعة ما جرى، في ظلّ الانزعاج الإسرائيلي من مواقف الصحافي السياسية أخيراً، لا سيّما إشارته إلى ما يتعرّض له المسيحيّون من اضطهاد ممنهج.
غضب وتصريحات نارية
وعلى وقع ما جرى، عبّرت أوساط في اليمين الأميركي عن ردود فعل غاضبة. في هذا السياق، قالت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين إنّ احتجاز «مواطن أميركي وصحافي» أمر «غير مقبول»، مضيفةً: «لقد جعلتم الأمر أسوأ».
على المقلب الآخر في داخل «إسرائيل»، انقسمت الآراء بين من قلّل من أهمية الواقعة واعتبرها تضخيماً إعلامياً، ومن هاجم كارلسون بشدّة بسبب انتقاداته المتكرّرة للحرب على غزة، ولاتهامه اللوبيات الداعمة لتل أبيب بالتأثير المفرط على السياسة الأميركية.
ما وراء المضايقة
ليست هذه المرّة الأولى التي يضع فيها كارلسون نفسه في مواجهة مباشرة مع السياسات الإسرائيلية. منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تبنّى خطاباً يرفض الدعم الأميركي المطلق لتل أبيب، وذهب إلى حدّ تأييد وصف ما يجري بأنّه «إبادة جماعية»، محذّراً من انخراط واشنطن في حروب تخدم مصالح حكومة بنيامين نتنياهو.
وطالت انتقاداته أيضاً لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، التي وصف نفوذها بأنّه «طقس إذلال مستمر» للمشرّعين الأميركيين.
لذلك أعطيت حادثة الاستجواب أبعاداً أكثر من مجرّد «سوء فهم أمني». فحين يصبح طرح أسئلة حول غزة أو حول أوضاع المسيحيين سبباً كافياً للاستدعاء والتحقيق، تتّضح حدود ما يُسوّق له في الإعلام الغربي بـ«الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» عندما يتجاوز الصوت النقدي الخطوط الحمراء.
انتهت زيارة لم تتجاوز ساعات قليلة بخروج كارلسون من البلاد، لكنّها فتحت باباً أوسع للنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي عموماً، وفي الولايات المتحدة خصوصاً: هل بات انتقاد «إسرائيل» محرّماً حتى على أبرز وجوه اليمين الداعم لترامب؟

