
في الأيام الأولى للحرب على إيران، انشغل جزء من الفضاء الرقمي المصري بإعادة تدوير معلومة مفادها أن «رفض القاهرة إقامة قواعد عسكرية أميركية على أراضيها» هو ما جنبها أن تكون هدفاً مباشراً في الضربات الإيرانية التي طاولت قواعد أميركية في الخليج. وانتشرت منشورات ومقاطع مصورة تشيد بما سمّي «سياسة الدولة المتوازنة» و«النهج غير العدائي تجاه الجميع»، في تلميح واضح إلى أن الابتعاد عن محور الصراع العربي - الإسرائيلي هو خيار حكيم أنقذ البلاد من تداعيات المواجهة.
منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع «إسرائيل» حرصت جهات رسمية وإعلامية مصرية على تكريس خطاب «السلام كخيار استراتيجي نهائي» يعلو فوق أي اعتبار آخر، بما في ذلك التحولات الجارية في الإقليم. وفي هذا السياق، عاد الإعلامي المصري إبراهيم عيسى إلى إثارة الجدل عبر مقطع مصور هاجم فيه إيران، معتبراً أنها «جلبت الويلات إلى المنطقة» بسبب عدائها للولايات المتحدة وإسرائيل.
الطرح الذي قدمه عيسى تجاهل أن المواجهة الحالية جاءت في سياق عدوان ثنائي عسكري أميركي ـــ إسرائيلي ضد إيران، وحرص فيه على تقليل أهمية الرد الإيراني باعتباره دفاعاً عن النفس أو محاولة لفرض معادلة ردع. المقطع بدا جزءاً من موجة أوسع لدى بعض الإعلاميين والناشطين العرب والمصريين الذين يحرصون على التقليل من دلالات الرد الإيراني، والتركيز بدلاً من ذلك على كلفة «مخاصمة واشنطن وتل أبيب».
الفيديو أثار ردود فعل غاضبة على منصات التواصل. بعض المعلقين رأى فيه ترويجاً لثقافة الاستسلام وقبولاً مسبقاً بميزان قوى «لا يجوز تحديه»، فيما كتب آخر «لست مع إيران، لكن ليس معنى ذلك أن أطلب من الناس الخنوع». آخرون تساءلوا عن جدوى الانخراط في هذا السجال طالما أنّ مصر ليست طرفاً مباشراً في المواجهة. ولم تغب خفة الدم المصرية عن هذا النقاش، فكانت النكتة حاضرة في بعض المنشورات التي سخرت من الوضع المعيشي المصري بناء على تطورات الحرب كما جاء في إحدى التدوينات: «بعدما هدد الحرس الثوري الإيراني بضرب جميع المواقع الإقتصادية في المنطقة.. مواطن مصري يصرح: الحمدلله الفحل أبعد عنا التهديد حيث لم يُبق اقتصاداً لدينا!!».
أما حساب «إيران بالعربية» فالتقط الجدال الحاصل، ووجه تحية للشعب المصري عبر منشور يجيب فيه على سؤال «لماذا المصريون منحازون إلى إيران في الحرب؟»، معتبراً أن حالة التعاطف الشعبية قائمة على «موقف سياسي لدى الشعب المصري مرتبط بالعداء لإسرائيل، وليس على أساس طائفي ديني».
ومن الجدير ذكره أن صعود إيران الثورية وخطابها المعادي لإسرائيل تزامن مع خروج مصر من معادلة الصراع العربي ـــ الإسرائيلي بعد كامب ديفيد. هذا التزامن، وفق تحليل محمد حسنين هيكل، أحدث فراغاً في مركز الثقل العربي، الذي يبدو واضحاً من خلال الموقف العربي من الحرب الحالية. منذ ذلك الحين، سعت العديد من السياسات الإعلامية إلى عدم حصر «التهديد» في الشرق الأوسط بإسرائيل، وحرفه باتجاه قضايا أخرى كالصراع الطائفي في المنطقة.
في ضوء ذلك، يبدو النقاش الذي أثاره ابراهيم عيسى امتداداً لمسار أطول يهدف إلى الحفاظ على انتقال مصر من موقع الفاعل في معادلة الصراع إلى موقع المراقب الذي يبرّر خياره بالابتعاد، ويقدّم الحياد بوصفه إنجازاً بحد ذاته، ما دفع منتقديه إلى اعتبار الطرح انتقالاً من تبرير السلام إلى ترويج منطق الاستسلام.

