تغييب الصوت الآخر: «الجزيرة» ترسم حرباً على قياس قطر

مع انطلاق الحرب الحالية بين إيران وإسرائيل، بدا واضحاً أن قناة «الجزيرة» تتبنى سردية محددة تركز على «التهديد الإيراني لدول الخليج»، مع تقليل الاهتمام أو إخفاء حقيقة أن إيران تعمل في سياق الرد على العدوان الأمريكي – الإسرائيلي. هذه السياسة التحريرية تعكس رغبة في تشكيل قراءة معينة للصراع، تهمش الأصوات الداعمة لإيران أو المفسرة للعمليات باعتبارها رد فعل دفاعي مشروع.
أين ذهبت الأصوات الداعمة لإيران؟
كان لافتاً غياب الصحافية المتخصصة في الشؤون الإيرانية فاطمة الصمادي عن التحليلات على شاشة «الجزيرة». مصادر مطلعة أشارت لـنا إلى أن استبعاد الصمادي جاء ضمن سياسة تحريرية تهدف إلى التركيز على التداعيات الإيرانية على المحيط العربي، وإغفال أو تقليل التركيز على وجود القواعد الأمريكية في الخليج.
الصمادي تتبنى موقفاً أقرب لتأييد إيران في قراءة العدوان الثنائي عليها من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يبرز حجم التلاعب في اختيار الأصوات التحليلية، ويطرح تساؤلات على منصات التواصل حول أسباب تغييبها.
وخلال اليومين الماضيين، تداولت حسابات لناشطين وصحافيين خبر توقف حسابات لعدد من الشخصيات الصحافية والأكاديمية التي عبرت عن مواقف مؤيدة وقد سبق أن عملت في قناة «الجزيرة» منها الصمادي، وزملاء لها كالباحث الفلسطيني سعيد زياد بتهمة «تمجيد العدو» بعد منشورات دعم لإيران على منصة «إكس»، بينما تم توجيه تحذيرات لمؤثرين آخرين لتجنب نشر أي محتوى مشابه، مع إمكانية فرض عقوبة السجن حتى ثلاث سنوات.
جاء ذلك بالتزامن مع اختفاء كل من حسابات صانعة المحتوى منى حوا ومقدم البرامج تامر المسحال. ما أثار مخاوف تتعلق بسلامة وحرية هؤلاء الأشخاص فيما تشير أصابع الاتهام إلى احتمال تعرّضهم لاحتجاز أو تقييد حريتهم في التعبير. تلك الإجراءات تؤكد على حجم الرقابة على الخطاب الإعلامي والسياسي داخل قطر لضمان الالتزام بسردية الدولة.
إبراز أصوات بديلة مؤيدة للسردية القطرية
لم يتوقف التأثير عند هذا الحد، فقد برزت أسماء محلية تصدرت شاشات التلفزيونات اللبنانية، إلى جانب «الجزيرة»، مقدمةً رواية معادية لإيران. من أبرز هؤلاء صهيب جوهر، الصحافي السابق في «تلفزيون العربي»، الذي يُستضاف لتحليل الحرب، مع تركيز على «أضرار» ما تقوم به إيران من استهداف للقواعد الأميركية في الخليج، والخطر الذي ينعكس على الأمن والاستقرار الإقليمي.
كما نشر جوهر «أوراقاً بحثية» تعتمد على مواد إعلامية ومواقع إلكترونية، تخلص إلى ضرورة دعم عربي للبنان ونزع «السلاح غير الشرعي»، في إطار رؤية تتوافق مع السردية القطرية، وتغيب أي تقييم لموقف إيران الدفاعي.
في الوقت نفسه، أثار الباحث مكي جدلاً على شاشة «الجزيرة» بدعوته إلى «رد عدواني» من دول الخليج على إيران، بما يشمل مقاطعة اقتصادية وثقافية وعقوبات إعلامية. تصريحات مكي اعتُبرت تحريضاً على توريط دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران، وتقديم قراءة طائفية لا تتوافق مع التقديرات التحليلية الموضوعية.
توظيف حركة «حماس» لتثبيت السردية
وكان سبق أن ركزت قناة «الجزيرة» على بيان لحركة «حماس» يدعو إيران لوقف الهجمات على دول الخليج، ما أثار جدلاً واسعاً. بعد ذلك، نشرت حركة «حماس» بياناً توضيحياً أكدت فيه أن البيان الأول لم يكن متفقاً عليه من قبل المجلس القيادي، وأن خالد مشعل أصدر البيان باسم الحركة دون الرجوع إلى القيادة، بهدف خلق حالة إرباك متعمدة واستغلال جماهيرية الحركة لتقويض التعاطف العربي والإسلامي مع إيران.
هذا الحدث فتح باب التساؤل حول تعرض «حماس» التي تتخذ من الدوحة مقراً لها خارج فلسطين لنوع من أنواع الضغط لإصدار بيان ضد جهة تقاتل «إسرائيل» بما يوضح استخدام قطر وحلفائها لمنصات إعلامية وفصائل فلسطينية لتثبيت سردية معينة عن الحرب، تركز على تصوير إيران كخطر على الخليج، وإهمال العدوان الأمريكي – الإسرائيلي.
ويظهر ضبط السردية أيضاً في التغطية الإعلامية للحدث. ففي مؤتمر صحافي لوزير الحرب الأميركي، لم تُترجم قناة «الجزيرة» جزءاً من كلامه حول إيران وأفغانستان، ما حجب الطابع الطائفي لخطابه، وأظهر كيف يتم اختيار ما يُعرض وما يُحجب في سياق توجيه الرأي العام.
إجمالاً، يبدو أنّ تغييب بعض الأصوات واستبدالها بأخرى مرتبطة بقطر ومراكزها البحثية يمثل عملية ممنهجة لإعادة تشكيل «الصوت التحليلي» على الشاشات العربية. الهدف الأساسي هو دفع الرأي العام نحو استعداء إيران أولاً، وتهميش دور القواعد الأميركية في الخليج، بما يعكس رؤية سياسية وإعلامية محددة للقناة والدولة المضيفة للصراع.

