انتصر تشاك نوريس على الموت
لدغت أفعى سامة تشاك نوريس ذات مرة. وبعد ثلاثة أيام من الألم المبرح... ماتت الأفعى


«لدغت أفعى سامة تشاك نوريس ذات مرة. وبعد ثلاثة أيام من الألم المبرح... ماتت الأفعى»، «عندما ينام الوحش، ينظر تحت السرير ليرى إن كان تشاك نوريس موجوداً»، «فصيلة دم تشاك نوريس هي AK-47»، لم تكن هذه مجرّد نكات، بل حقائق اجتاحت الإنترنت منذ أوائل الألفية. قائمة طويلة من المبالغات عنوانها «حقائق تشاك نوريس»، حتى إن إحدى «الحقائق» تروي كيف حاولوا إضافة وجهه على جبل رشمور، لكن الغرانيت لم يكن صلباً بما يكفي ليتحمّل لحيته. جميع هذه المبالغات تنطلق من فكرة واحدة، الرجل لا يُهزم. ليس لأنه خارق، بل لأن صورته في المخيلة الشعبية تجاوزت حدود الجسد والمهارة، وصارت رمزاً للصلابة المطلقة. لذلك تبدو فكرة موته نفسها غير قابلة للتصديق، تشاك نوريس لا يراوغ الموت، ولا ينجو منه، بل ينتصر عليه ببساطة.
قد يكون تشاك نوريس بالنسبة لكثيرين مجرد شخصية مشهورة على الإنترنت، مادة جاهزة للنكات، لكنه بالنسبة لعشاق أفلام الحركة الكلاسيكية أسطورة حقيقية، وبالنسبة للمهتمين بصناعة هذا النوع من السينما مصدر إلهام لا يُستهان به. فإرثه المهني كان جزءاً أساسياً من صعود موجة أفلام الحركة المبالغ فيها، تلك التي أعادت تعريف القوة والبطولة على الشاشة، قبل أن تتضخم بدورها تحت ضغط جمهور يريد مشاهد أضخم ونجوماً أقوى وقصصاً أكثر غرابة.
ورغم أنه لم يكن بطلاً خارقاً، إلا أن نوريس كان النموذج الأقرب لما كان الجمهور يتخيله عن نجم الحركة المثالي. وفي الثمانينيات تحديداً، قبل أن ينغمس في أفلام متواضعة أو يرتدي قبعة «ووكر، تكساس رينجر» (الذي استمر تسعة مواسم)، كان في أوج عطائه، يقدم للجمهور الغربي صورة أميركا الجريئة التي تندفع إلى المعركة بلا تردد، ويصنع أفلاماً قد تبدو بسيطة لكنها حققت نجاحاً جماهيرياً هائلاً.
نوريس، الذي لا يضاهيه في إرث فنون القتال إلا بروس لي، كان رائداً سبق الأساتذة الحقيقيين مثل سيغال وفان دام، لكنه لم يبدأ حياته بهذه القوة، فقد كان كارلوس راي نوريس طفلاً خجولاً ونحيلاً، ابن ميكانيكي مدمن على الكحول ترك العائلة وهو في العاشرة، لينتقل مع والدته وشقيقيه إلى كاليفورنيا. تزوج في الثامنة عشرة، والتحق بالقوات الجوية، وهناك في قاعدة أوسان في كوريا الجنوبية تحوّل كارلوس إلى تشاك، وبدأت مسيرته التي ستجعله أسطورة.
ظهر أولاً كحارس شخصي لدين مارتن في فيلم «طاقم التخريب» (1968، «The Wrecking Crew»)، ثم ظهر في أكثر أربعين فيلماً، من «ميسينغ إن أكشن» (1984، «Missing In Action»)، إلى «قوة دلتا» (1986، «The Delta Force»)، وظهر لأخر مرة سنة 2012 مع ستالون وفان دام وارنولد وبروس ويليس في فيلم «المرتزقة 2» («The Expendables»).
لكن المشهد الذي يبقى محفوراً في ذاكرة السينما هو ذاك الذي دار في أروقة الكولوسيوم، فيلم «طريق التنين» (1972، «The Way of The Dragon»)، المشهد التالي ملحمي على عدة مستويات. يبدأ منذ الاحماء، قبل أن يشتبك تشاك نوريس مع بروس لي، هناك تلك الثواني التي نسمع فيها العضلات والعظام وهي تستيقظ. أصوات دقيقة، كأن المفاصل نفسها تُعلن دخولها في طقس قتالي مقدّس.
أدرك نوريس سريعاً قوة صورته الإعلامية، فدخل مجالات أخرى، من بينها «جينز الحركة» التي وعدت في الثمانينيات بأن تمنح مرتديها مرونة كافية لأداء الركلة الدائرية الشهيرة. وهكذا، بين الأسطورة الشعبية، والنجم السينمائي، والمقاتل الحقيقي، بقي تشاك نوريس رمزاً لمرحلة كاملة من السينما، مرحلة كانت فيها القوة أكبر من الواقع، والبطولة أكبر من الحياة نفسها. كان تشاك نوريس هو البطل الذي لا يُهزم، المثال الأوضح لذلك النموذج الهوليوودي عن البطل الأمريكي الذي يهزم الجميع لينتصر الخير في النهاية، بطريقة قد تبدو اليوم ساذجة لكنها كانت تُقدّم آنذاك بمهارة كافية لتجعلها مقنعة وممتعة.
