
تشهد الإمارات العربية المتحدة تصعيداً أمنياً لافتاً في التعامل مع المحتوى الرقمي، في ظلّ الحرب على إيران، إذ طالت حملة اعتقالات عشرات البريطانيين بسبب منشورات أو حتى تفاعلات بسيطة على وسائل التواصل الاجتماعي. ويعكس هذا التطور تحوّلاً واضحاً في سياسة الدولة تجاه الفضاء الرقمي، وسط مخاوف متزايدة من تأثير الصور والمقاطع المصوّرة على صورتها الدولية المتضعضعة كوجهة آمنة للاستثمار والسياحة.
رقابة صارمة
وبحسب تقرير نشره موقع Middle East Eye، فإن السلطات الإماراتية أوقفت عدداً من الأفراد لمجرد تصويرهم أو مشاركتهم مقاطع تُظهر هجمات صاروخية أو طائرات مسيّرة إيرانية. ولم يقتصر الأمر على من نشروا المحتوى، بل شمل أيضاً من أعادوا إرساله في رسائل خاصة، أو حتى احتفظوا به على أجهزتهم من دون حذفه، ما يكشف عن توسّع غير مسبوق في تعريف «المخالفة الرقمية».
في هذا الإطار، تستند هذه الإجراءات إلى قوانين محلية مستحدثة تحظر نشر أي مواد قد «تُخلّ بالأمن العام»، إلا أنّ تطبيقها في هذا السياق أثار انتقادات واسعة، خصوصاً مع تقارير تفيد بأنّ بعض المعتقلين لم يكونوا على دراية بأنّ أفعالهم قد تُعرّضهم للمساءلة. وقد وثّقت منظمة Detained in Dubai حالات اعتقال واحتجاز طالت مقيمين وسياحاً وطلاباً من جنسيات مختلفة، مشيرة إلى أنّ «التفاعل مع المحتوى وحده قد يكون كافياً للاعتقال».
تأتي هذه الحملة في وقت تعرّضت فيه مدن إماراتية، على رأسها دبي، لسلسلة هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة، استهدفت مواقع حساسة من بينها المطار الدولي وفنادق معروفة. وتشير الأرقام إلى إطلاق مئات الصواريخ وآلاف المسيّرات، ما أسفر عن إغراق أنظمة الدفاع الجوية وفشلها مراراً وتكراراً في احتواء التهديد العسكري.
في مواجهة هذا الواقع، قرّرت الإمارات اعتماد رواية نجاحها في تحييد معظم التهديدات العسكرية واستمرار حياة البذخ والأمان. ولنشر هذه السردية، استخدمت أبوظبي ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الأثرياء المغرمين بالإمارة التي تُعدّ «جنّة ضرائبية». إضافة إلى ذلك، دأبت السلطات على استحداث قوانين تمنع تصوير ونشر وإعادة نشر أي خبر أو صورة أو مقطع يُظهر المناطق المستهدفة في البلاد، تحت طائلة السجن والغرامة.
الأوروبيون أيضاً لم يسلموا
في هذا السياق، أفادت تقارير بأنّ ما لا يقل عن 35 بريطانياً جرى احتجازهم في دبي، إضافة إلى عدد مماثل في أبوظبي. وتشير التقديرات إلى أنّ عدد البريطانيين المقيمين في دبي كان يتجاوز 240 ألفاً قبل اندلاع الحرب، غادر نحو نصفهم خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر إلى حجم القلق المتصاعد.
وتكشف بعض الحالات الفردية عن طبيعة هذه الإجراءات، إذ أُوقف مضيف جوي بريطاني يعمل لدى شركة Flydubai بعد تصويره أضراراً ناجمة عن سقوط طائرة مسيّرة قرب مطار دبي ومشاركته الصور مع زملائه. كما اعتُقل سائح بريطاني يبلغ 60 عاماً بعد تصويره صواريخ تسقط في المدينة، رغم حذفه المقطع فور طلب ذلك منه. ويواجه هؤلاء عقوبات قد تصل إلى السجن لمدة عامين وغرامات مالية كبيرة.
ولا تقتصر الإجراءات على التتبع الرقمي، إذ أفادت تقارير بأنّ الشرطة تقوم بتفتيش الهواتف المحمولة في الأماكن العامة، وتوقف من يُعثر لديهم على مواد مرتبطة بالهجمات. هذا الأسلوب يعكس انتقال الرقابة من الفضاء الافتراضي إلى الحياة اليومية، ما يطرح تساؤلات حول حدود الخصوصية والحقوق الفردية في ظل الأزمات.
من جهتها، أعلنت وزارة الخارجية في المملكة المتحدة أنّها تتابع أوضاع عدد من مواطنيها المحتجزين، مؤكدة على سعيها لضمان الوصول القنصلي إليهم. غير أنّ منظمات حقوقية اعتبرت أنّ الاستجابة لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظلّ ورود معلومات عن ظروف احتجاز صعبة، تشمل الاكتظاظ وحرمان بعض المعتقلين من الأدوية، إضافة إلى ضغوط للتوقيع على اعترافات دون حضور محامين.
الحقيقة ممنوعة
ولا تقتصر الاعتقالات على البريطانيين، إذ طالت أيضاً جنسيات أخرى، من بينها طلاب وعمال، في قضايا صُنّفت أحياناً ضمن خانة «الأمن القومي»، ما قد يعرّض المتهمين لعقوبات تصل إلى 15 عاماً. وتشير بعض الشهادات إلى إجبار محتجزين على توقيع وثائق باللغة العربية من دون فهم مضمونها، وهو ما لا يراعي الحدّ الأدنى من معايير العدالة والإجراءات القانونية.
في المقابل، تدافع السلطات الإماراتية عن هذه الإجراءات، معتبرة أنّ نشر هذه المواد قد يثير الذعر ويعطي صورة «مضلّلة» عن الوضع داخل البلاد. إلا أنّ هذا التبرير يصطدم بواقع اقتصادي متأثر بشدّة، حيث تعتمد الدولة بشكل كبير على السياحة والعقارات والخدمات المالية، وهي قطاعات حساسة لأي اهتزاز في الثقة.
وقد انعكست تداعيات الحرب بوضوح على الاقتصاد، مع خسارة الأسواق المالية عشرات المليارات من قيمتها خلال أسابيع، وتراجع ملحوظ في مؤشرات العقارات في دبي. وفي ظل هذا الضغط، يبدو أنّ السيطرة على السردية الإعلامية أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية إدارة الأزمة.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن مفارقة حادّة حيث دولة تسعى للحفاظ على صورتها كواحة استقرار وانفتاح، لكنها في الوقت ذاته تفرض قيوداً مشدّدة على تداول المعلومات. وفي سبيل حماية حماية السمعة والصورة قبل أي اعتبار، تضرب السلطات الإماراتية الحريات الرقمية والشخصية بعرض الحائط. وبينما تتجنّب الغرق في جبهات القتال، تصبّ أبوظبي جام غضبها على هواتف الأفراد المقيمين في ما كان يُروّج له كواحة للأمان والحريّة تزخرفها حياة البذخ.

