كيف تهزم شعباً قبل أن يُهزم؟
سمعتُ من آخرين أنّك بدأتَ حرباً وغزواً منذ فترة، بهدف الإخضاع والاحتلال، فخطر لي، بصفتي شيطاناً مخضرماً في العلوم النفسيّة والاجتماعيّة، أن أبعث لك بسلسلة نصائح.


سمعتُ من آخرين أنّك بدأتَ حرباً وغزواً منذ فترة، بهدف الإخضاع والاحتلال، فخطر لي، بصفتي شيطاناً مخضرماً في العلوم النفسيّة والاجتماعيّة، أن أبعث لك بسلسلة نصائح.
طبعاً أنا لا أفهم في العسكر، لذلك أُرسل لك أنت هذه الرسالة، بصفتك ناشطاً اجتماعياً أو ثقافياً أو إعلامياً أو أيّ عنوان من هذه العناوين الهلاميّة التي تُعيدون تدويرها أنتم البشر كلّ فترة.
تتقلّب الأحوال في السياق العسكري، وبما أنّك لستَ على الأرض ولا قدرة لك على هزيمة أعدائك بهذه الطريقة، خطر لي أن أبعث لك بهذه النصائح كي تدعم الغزاة على طريقتك، فتهزم الشعب حتى قبل أن يُهزم عسكرياً.
١- التفاصيل، التفاصيل، التفاصيل. أغرقهم بتفاصيل الأخبار. العمليّات، المسافات، المساحات، كلّما أكثرتَ من الأرقام كان تأثير هذه الاستراتيجيّة أفضل. دعني أشرح لك. كما تعلم، الحروب، وأيّ تحوّلات سياسيّة أو اجتماعيّة بشكل عام، هي نتيجة مسار تراكمي كامل.
كي يبقى الشخص قادراً على المساهمة في هذا المسار، عليه أن يتجاوز التفاصيل ويركّز على الصورة الكلّيّة. هنا يأتي دورك. إغراق الشعب الذي تبغي هزيمته بتفاصيل الأخبار اليوميّة يُضعفه ويهيّئك لتهزمه. كيف ذلك؟ إغراقهم بالتفاصيل يعني أنّ مزاجهم ومشاعرهم وأوضاعهم النفسيّة أصبحت أكثر هشاشة، لأنّها أصبحت مرتبطة بتفاصيل المعارك، التي هي شديدة التبدّل والتحوّل كما تعلم، غير أنّهم سيهملون هذه الفكرة الأخيرة كلّما غرقوا أكثر.
عندئذٍ، ستربط ردّات فعلهم النفسيّة والعاطفيّة، الفرديّة والجماعيّة، بتفاصيل شديدة التحوّل بين اليوم والآخر، بل بين الساعة والأخرى، وهي الخطوة الأولى للاستنزاف. أنت هنا لن تستنزف الناس فحسب، بل ستستنزف نخبهم الاجتماعيّة والنفسيّة أيضاً، فيُختزل دورهم في إطفاء الحرائق. خذ مثلاً تقدّم جيشك على جبهة معيّنة.
أنت تعلم حجم هذا المعطى عسكرياً، فهو أمر جيّد، غير أنّه لا يزال محدوداً وبحاجة إلى أن ينضج كي تعرف تبعاته. وإذا نجحتَ في هذه الاستراتيجيّة التي حدّثتك عنها، فإنّ النتيجة ستكون إحباطاً ملحوظاً للناس، وحينها ستخرج “نخبهم” لتعدّل هذا الإحباط، وهذا ما قصدته بإطفاء الحرائق. المضحك هنا أنّك، مع الوقت، ستجد أنّك ستؤثّر في النخب أيضاً، فتصبح طريقتهم في إطفاء الحرائق عبر حشد «تفاصيل» أخرى مضادّة لما قام به أعداؤك، بدلاً من التركيز على صورة أكبر.
هنا تتأكّد أنّك نجحتَ فعلاً. لقد أغرقتهم بالتفاصيل، وحثثتهم على متابعتها بدقّة موهماً إيّاهم أنّهم هكذا «ينشطون»، وهم فعلياً يُستنزفون ذهنياً وعاطفياً من دون أن يُدركوا.
٢- شوّه تعاملهم مع الزمن. سأبسّط لك الفكرة هنا. الإنسان يُقسّم الزمن في ذهنه إلى أربع مراحل، لا ثلاثاً كما يعتقد البعض: الماضي، الحاضر، المستقبل، والآخرة، أو المستقبل البعيد لإخواننا الملحدين، لا تخف، هناك استراتيجيّة للجميع.
أفضل إنتاجيّة للفرد أو للشعوب تكون عندما يركّزون على نقطتين في الزمن: الحاضر، فيفكّرون فيما يمكنهم القيام به الآن في هذه اللحظة، والآخرة، أو المستقبل البعيد، فيقيّمون خياراتهم وخططهم في الحاضر بناءً على ما يريدون تحقيقه في الآخرة.
هنا يأتي دورك، عليك بشكل مباشر وغير مباشر حرفهم عن هاتين المرحلتين، واستنزافهم في الماضي والمستقبل. مسألة الماضي سهلة، عليك بتذكيرهم دائماً بالماضي، جمّله أكثر وأخرجه من سياقه إذا احتجتَ أيضاً. اليوم أنت في عصر الصورة والتسجيلات، ممّا يسهّل هذه المهمّة أكثر من أسلافك الذين قاموا بشيء شبيه أيّام الجرائد والكتب. أكثر من صور «قبل وبعد»، وقف على الأطلال متى استطعتَ، فتُشعرهم بثقل يومهم هذا.
حتى في مجال الأكاديميين والمثقّفين وغيرهم، أغرق الأحاديث دائماً بأحداث الماضي، البعيد أو القريب، ونقاشات «كان ينبغي ولم يكن ينبغي...». وكلّما حاول أحدٌ أن يعترض على هذا النوع من الأسئلة والنقاشات، تحجّج بأنّك تحاول الاستفادة من دروس الماضي، رغم أنّك تعلم أنّ الاستفادة لا تكون بهذه الطريقة، غير أنّهم سيتشوّشون وينسون ذلك وسط فوضى التفاصيل والشعارات التي سترميها. غير أنّ التركيز على الماضي، رغم فائدته، ليس استراتيجيّتك الأقوى.
الأفضل لك أن تشغلهم بالتفكير في المستقبل القريب: غداً، الليلة، هذا الأسبوع، الأسبوع القادم، الثماني والأربعون ساعة القادمة، إلخ. فهمتَ المبدأ. هذا عين الاستنزاف، وقدرتك على ضرب سربٍ من العصافير بحجرٍ واحد. من جهة، أنت حرفياً تسرق طاقاتهم، فكلّما غرقوا أكثر في التفكير في لحظة قادمة، قلّ تركيزهم على لحظتهم الحاليّة، وما يستطيعون هم القيام به الآن. ومن جهة أخرى، أنت تخلق اضطرابات قلق بالجملة، ولجماعات كما هي، فأنت تُحوّل أدمغتهم إلى أدمغة تتعامل مع كلّ المعطيات بطريقة قلقة ومنهكة، وهنا تستنزف أيضاً الأطباء والنفسانيّين في مجتمعهم، ليصبح دورهم أيضاً إخماد الحرائق التي سيُشعلونها هم أنفسهم.
٣- حجّم أيّ إنجاز لهم، واربطه دائماً بالثمن الذي دفعوه ليحصلوا عليه. أنت لا تتحكّم ببسط سيطرة جيشك، وبإمكانك بسط سيطرة معنويّة. رسالتك واضحة: أنت القويّ والمسيطر دائماً، تعرف وترى وتراقب كلّ شيء، وحتى إن استطاع عدوّك أن ينجز شيئاً يُذكر، فهو يأتي بعد فاتورة تضحية ضخمة لا يستحقّها هذا الإنجاز.
عليك أن تغرق كلّ وسائل الإعلام والتواصل والمعلومات بأسلوب التبخيس والتحجيم. اربط أيّ إنجاز لأعدائك، مهما كان مهمّاً في الميدان، بالثمن الذي دفعوه لتحقيقه، والأفضل من ذلك، اربطه في ذهنهم بـ”العقاب” الذي سيأتيهم من بعده. هذه الاستراتيجيّة الأخيرة من أفضل ما يمكنك تطبيقه، فسيصبح حينها الشعب خائفاً من أن يُنجز أو يتقدّم! هل هناك أروع من ذلك؟ هذه نهاية التحجيم، فتحتلّ عقولهم ونفسيّاتهم ريثما تحتلّ أرضهم.
حاولتُ في رسالتي هذه أن أعطيك مجموعة من النصائح الدسمة لإسناد جيشك في غزوه. طبعاً بإمكانك دائماً الاستعانة أيضاً بالكذب والتلفيق وبثّ الأخبار المتطرّفة، إيجابياً وسلبياً، غير أنّها استراتيجيّات بديهيّة أعتقد أنّك تعرفها جيّداً. لا تعطهم حتى فسحة التفكير لملاحظة استراتيجيّاتك... أغرقهم كما أوصيتك. ستحتلّ عقولهم ونفسيّاتهم ريثما يتمكّن جيشك من احتلال أرضهم. حسب معطياتي، فإنّ لديك من الموارد ما يكفي لتطبيق كلّ هذا وأكثر، لا تخيّب أملي!
تحديث: وردني، بعد أن كتبتُ لك هذه الرسالة، أنّ غزوك قد يقف قريباً. لا بأس، هذا لا يعني أنّ دورك أنت سيقف، وقد يتعاظم بهدف تعويض خسارتك. استمرّ في اتّباع ما أخبرتك عنه حتى لو انتقلتَ إلى مرحلة أخرى.
مع محبّتي،
الشيطان الأكاديمي
(المقال أعلاه مقال ساخر، بلسان شيطانٍ مخضرم في الحقل النفسي والاجتماعي، يساعد الغازي على هزيمة شعبٍ قبل أن يُهزم. الأسلوب مستلهم من كتاب رسائل خربر The Screwtape Letters لسي. إس. لويس).
