ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

رانية الرافعي... طرابلس في «يوم الغضب»

ثقافة
|سينما
حفظ المقالة

تستعيد رانية الرافعي تاريخ طرابلس عبر ذاكرة شخصية تتقاطع مع تحولات المدينة. فيلم يزاوج بين التوثيق والتأمل، ويكشف مدينة عالقة بين ماضيها المتكرر وحاضرها الهش.

شفيق طبارة
شفيق طبارة
الثلاثاء 5 أيار 2026
رانية الرافعي... طرابلس في «يوم الغضب»
الخط

في العام 1943، انتفض طلاب طرابلس ضد الاستعمار الفرنسي، فواجهتهم قواته بالرصاص والدهس بالدبابات، تاركةً أربعة عشر مراهقاً، لم يتجاوز أيّ منهم الخامسة عشرة، يسقطون شهداء. وقتها قالت الحكومة الفرنسية بأنّ ما حدث سببه جندي سنغالي في الكتيبة الفرنسية تصرّف بنفسه بسبب نقص الدم البارد في جسده. من هذه اللحظة تنطلق المخرجة اللبنانية رانية الرافعي في فيلمها «يوم الغضب: حكايات من طرابلس»، ليصبح الزمان بين يديها مادة حيّة، قابلة للانثناء والتمدد والانكماش. والمكان دائماً طرابلس التي ليست «ثاني أكبر مدن لبنان»، بل هي الإطار التي تتوزع داخله الحكايات والأحداث، المدرسة التي تتحول إلى مختبر لنقاش التاريخ، البيت الذي يحمل الذكريات، الاستديو التي تقابل فيه الرافعي المراهقين وتسألهم عن حاضرهم وتاريخهم، والشوارع التي هي فصل من تاريخ شخصي وجماعي.

طرابلس كذاكرة حيّة

الفيلم، كما تقدّمه رانية، ليس وحدة سردية متماسكة بل فسيفساء من مشاهد غير متجانسة، متنافرة أحياناً، لكنها تتجاور كما تتجاور طبقات الذاكرة. ثلاث طبقات زمنية تتداخل في الفيلم، الوقت المادي الذي يدفع المخرجة نحو طرابلس، الزمن النفسي الذي يعيدها إلى ذاكرة العائلة، والزمن العاطفي الذي يكتب الحاضر بصيغة المضارع وهي تخاطب والدها الراحل كأنه يجلس إلى جانبها. هذا التوازي بين الأزمنة يحوّل الفيلم إلى رحلة داخلية بقدر ما هو رحلة في مدينة، وإلى محاولة لاكتشاف أصول الذات عبر ما كان يمكن أن يكون، لا فقط عبر ما كان. كأن رانية تقول إن طرابلس ليست مكاناً نعود إليه، بل مكان يعود إلينا، في كل لحظة غضب، وفي كل محاولة لفهم معنى أن نكبر في مدينة تكبر معنا.

تاريخ يتكرّر عبر الأجيال

في الفيلم، أربعة تواريخ تتحوّل فيها طرابلس إلى أربع طبقات من الذاكرة السياسية والاجتماعية: أربعينيات النضال من أجل الاستقلال، وخمسينيات الحلم بوحدة عربية شاملة، وستينيات الخيبة بعد هزيمة الأيام الستة، وثمانينيات صعود الإسلام السياسي، وصولاً إلى الربيع العربي واحتجاجات 2019. هذه المراحل هي التي أعادت تشكيل المدينة وسكانها جيلاً بعد جيل، كأن طرابلس تعيش دائماً على حافة التحوّل. داخل هذا الامتداد الزمني المتوتر، تضع رانية الرافعي فيلمها، من خلال أربعة أقسام وعناوين: «1943: نظرت إلى الفجر ملياً»، «1958: عندما رأيت ابتسامة أبي»، «1983: بقايا إحساس مضى»، «2019: عن الممكن».

الفيلم في جوهره رسالة مصوّرة إلى والدها، وتاريخ عائلتها الذي يتقاطع مع تاريخ المدينة. تبحث عن أشخاص يمكنهم أن يفتحوا لها أبواب الذاكرة، خيّاط صنع بدلة لديغول، رجال شهدوا الاستقلال، معلمة وطلابها، وطلاب آخرون تتيح لهم رافعي أن يتعاطفوا مع الأحداث التاريخية عبر إعادة تمثيلها أو عبر سرد تجاربهم الشخصية.

مدينة في مطهر التاريخ

خلال تأطير الفيلم لتاريخ طرابلس، تبدو المدينة كأنها محكومة بالبقاء في مطهر تاريخي لا يكتمل فيه العبور. مدينة تُعيد إنتاج أزماتها، ويصبح فيها الماضي مادة يومية لا يمكن التخلص منها. الفيلم يذهب إلى هذا النقاش من دون أن يرفعه كشعار، عمقه يأتي من التفاصيل الصغيرة، من قرار الرافعي بجمع رجال كبار قادرين على التأمل في تجاربهم، مع مراهقين ما زالوا يتعلمون معنى التاريخ والثورة والمجتمع. هذا التوازي بين من عاش التجربة ومن يسمع عنها للمرة الأولى يخلق طبقة إضافية من التوتر.

تُخفي رانية جسدها داخل المشهد، لكنها لا تُخفي صوتها. حضورها مسموع، لكن غير مرئي، كأنها تريد أن تترك للصورة حرية الحركة وللآخرين حرية الكلام. وضمن هذا النسيج السردي، هناك عفوية، لا تُربك البناء، بل تُغنيه، وتُذكّر بأن الوثائقي الحقيقي لا يُصنع فقط، بل يُكتشف أثناء حدوثه. التعليق الصوتي لرانية يتأرجح بين الواقعية والشعرية، بين التوثيق والتأمل، بين الرغبة في تغيير التاريخ والرغبة في حفظه كما هو. ولعلّ هذا هو التوتر الأكثر إثارة في الفيلم.

النساء خارج خطاب البطولة

ورغم أن رانية تُجري معظم حواراتها مع رجال، إلا أن حضور النساء يتجلى في مكان آخر، في آخر الفيلم، تنهي الرافعي فيلمها معهن، في العمل، في الصناعة، في المعامل، في إنتاج الغذاء، في جمع البلاستيك من الشوارع. بينما يناقش الرجال الحرب والثورة ومصائر الأمة، تواصل النساء العمل بصمت، كأنهن يحافظن على نبض المدينة حين ينشغل الآخرون بالخطابات الكبرى.

فيلم الرافعي، الذي عرض للمرة الأولى في «مهرجان برلين السينمائي» الأخير، غني بالتفاصيل، يفيض بدفء خفيف وفكاهة لا تُقحم نفسها، بل تنبع من انسجام عميق مع ناس طرابلس وإيقاعهم الداخلي. عمل شخصي بقدر ما هو جماعي، يلتقط هشاشة الذاكرة ونبض الشارع. تترك الرافعي الشاشة كما هي، فارغة حين يجب أن تكون فارغة، صامتة حين يتطلّب الأمر ذلك، بلا أي محاولة للتجميل. تُغذي الفيلم بلقطات تشبه الحلم، وتضع أمام نفسها وأمامنا آفاق الحياة البديلة المكونة من أماكن وأشخاص ولغة وتاريخ لإضفاء نفحة حميمية على زوبعة الاستطراد الوثائقي. يتأرجح الفيلم بين التأمل الحميم والتحليل التاريخي ورسالتها المقروءة إلى والدها، رفيقها الغائب في هذه الرحلة.

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» مشبّع بالحكايات والتجريدات والتخمينات والاقتراحات والرغبات العميقة والحاجة إلى التعبير عنها والبحث الشخصي عن عائلة تمر عبر مسار جغرافي وتاريخي. سينما رانية الرافعي تنتقل في الأفق السينمائي وتنسق هذه العلاقات، التي تتأرجح بين الماضي الذي يغمرها والحاضر الذي يفلت من بين يديها. كلّ هذا بينما هي تحتمى خلف الصورة الصورة حيث تستطيع أن تجمع ما كسره الزمن وأن تجد لذاكرتها منزلاً.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك