
الرئيس السوري يعاين أضرار الفيضانات، وفاة أطفال، صور لجسور ترابية متضررة.. . تعود المدن التي تعاني من تهميش الدولة المركزية وغياب الاهتمام الحكومي إلى صدارة المشهد الإعلامي والرقمي بكوارثها. هكذا تعود المنطقة الشرقية في سوريا، بمحافظتَيها الرقة ودير الزور، إلى الواجهة بشكل متكرر خلال الفترة الأخيرة؛ من خلال الجدل الذي أثير حول حذف اسم الأديب الرقاوي عبد السلام العجيلي عن مدرسة في العهد السوري الجديد، إلى تصدّر العشائر لفزعات المجازر، وصولاً إلى فتح الخطاب العنصري بين الريف والمدينة في منطقة عانت خلال الحرب من «داعش» إلى الحصار والتجويع إلى التعطيش والتهجير.
الرئيس أحمد الشرع برفقة وفد وزاري يتفقد واقع فيضان نهر الفرات والأضرار الناجمة عنه عند جسر السياسية في دير الزور. pic.twitter.com/KJQHbLhod0
— Rehab A Alhindi (@AlhindiRehab) May 29, 2026
واليوم تعود تلك المنطقة من بوابة نهر الفرات، فيما تتمثل المفارقة المأساوية التي يتداولها السوريون بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي في أن النهر الذي لطالما خشي الجميع جفافه وموت ضفافه، جراء السياسات المائية التركية وسد أتاتورك خلال سنوات الحرب، يعود اليوم ليفيض بقوة مغايرة، متسبباً بحالات غمر لضفافه نتيجة تدفقات هائلة من خلف الحدود.
هذا الفيضان الرقمي والواقعي يفتح دفاتر الفرات القديمة. فماذا نعرف عنه؟
الفرات سلطان كل زمان
يثبت الفرات مجدداً أنه «النهر سلطان»، كما جاء في قصة الأديب عبد السلام العجيلي، الذي لا يمكن الحديث عن سد الفرات من دون أن يلوح اسمه في الأفق بعدما حمل لقب «حكواتي الفرات». كان العجيلي عين المجتمع والضمير الحي الذي رصد التكلفة الإنسانية الباهظة للسنوات الأولى من إنشاء المشروع الهندسي العملاق، ثاني أكبر السدود العربية بعد السد العالي في مصر.
في قصته الشهيرة «المغمورون» (1977)، أرّخ العجيلي للاضطراب الاجتماعي والنفسي الذي عاشه سكان 300 قرية غمرتها مياه بحيرة الأسد الجديدة التي تشكلت خلف السد. لقد جسّد تشتت أكثر من 72 ألف نسمة أُخرجوا من ديارهم بوعود حكومية لم تكتمل، معتبراً أن السعي وراء تخفيف بؤس الريف خلق، في مكان ما، ظلماً آخر.
تركيا فتحت سدودها.. ودير الزور غرقت
— السويداء برس (@presssuwayda) May 28, 2026
تعيش محافظة دير الزور والمناطق الشرقية في سوريا كارثة نتيجة فيضان نهر الفرات، ما أدى لأضرار فادحة شملت أضراراً واسعة في الأراضي الزراعية، وخروج نحو 50 محطة مياه عن الخدمة، ومحطات كهرباء، وخسائر لا تعد ولا تحصى على مختلف المستويات، وسط استياء… pic.twitter.com/oMxqHF7Uyi
لكنه يعود في قصته الثانية «النهر سلطان» ليغوص في عمق العلاقة الجدلية بين الإنسان والفرات. يتحدث فيها عن ذلك النهر متقلب الطباع، حيث كانت القرى على ضفافه تتعرض لفيضانات متكررة قبل بناء السد، وعن ذلك الأب الذي يفقد ولده الوحيد في جوفه، ليشعر لاحقاً بوعي متناقض بعد «ترويض النهر الطاغي». غير أن العجيلي ينبه، في نهاية القصة، إلى أن حشود الرسميين والبيروقراطيين التي تدفقت بعد المشروع جلبت معها محناً من نوع جديد.
كمال ديب: حكاية إنجاز وغصة
من جانبه، يمنحنا المؤرخ كمال ديب، في كتابه «التاريخ السوري المعاصر»، قراءة سياسية واقتصادية دقيقة لهذا التحول. يرى ديب أن سد الفرات مثّل «رمزاً هاماً لسوريا الحديثة» بعد وصول حزب البعث إلى الحكم، مستعرضاً كيف تسارعت عجلة الدولة لإنجازه بدءاً من عام 1968 وحتى اكتسابه شكله النهائي عام 1979، وسط تكلفة باهظة وعقبات بدت مستحيلة.
#الفرات من شريان حياة إلى فيضان يغير معالم #دير_الزور pic.twitter.com/YqjoU3Wzr0
— المرصد السوري لحقوق الإنسان (@syriahr) May 28, 2026
ويشير ديب بجرأة إلى الآثار البيئية والاقتصادية اللاحقة التي رافقت هذا الرمز؛ مثل زيادة ملوحة الأراضي على ضفاف الفرات بعد بناء السد، وتحول 60 ألف هكتار إلى أراضٍ بور نتيجة منع الترسبات المغذية للتربة، إضافة إلى ظهور مشكلة الجبس في قنوات الري. ويوضح أن الدرس الأكبر الذي تعلمته سوريا من تجربة الفرات هو أن البلاد «تحتاج إلى المياه أكثر من حاجتها إلى الأراضي»، خاصة مع تقلص الموارد والضغوط المستمرة من دول الجوار.
سينما الفرات: توثيق الحلم وتفكيكه
هذا الزخم الإنساني والهندسي استقطب كبار السينمائيين السوريين، الذين وجدوا في الفرات مسرحاً لتوثيق التحول وتفكيكه بصرياً عبر موجة من الأفلام التسجيلية الهامة. ومن أبرزها الفيلم التسجيلي «سد الفرات العظيم» لمنير جباوي (1969)، الذي يرصد البدايات الأولى ومنجزات العمل بحماس يواكب ولادة الحلم.
إلى جانب فيلم عمر أميرالاي «عن وادي الفرات» (1970)، الذي شكّل انعطافة فنية ونقدية متميزة، مقدّماً رؤية سينمائية مغايرة قرأت المشروع بذكاء وعمق بصري تجاوزا الدعاية التنموية التقليدية.

