
في زمنٍ تُخاض فيه الحروب بالخوارزميات كما بالصواريخ، تصوّب «ماسيف أتاك» على الوجه الجديد للسلطة: البيانات. حوّلت الفرقة البريطانية حفلتها إلى تجربة تُشعر الجمهور بما يعنيه أن يكون تحت المراقبة، مستهدفةً شركة «بالانتير» (Palantir)، عملاق تحليل البيانات المرتبط بعقود مع جيوش وأجهزة أمنية، بينها الجيشان الأميركي والإسرائيلي.
خلال حفلتها في مهرجان «بريمافيرا ساوند» يوم الخميس 4 حزيران (يونيو) في برشلونة، ستستخدم الفرقة برنامجاً صُمّم خصيصاً لمحاكاة تقنيات التعرّف إلى الوجوه. إذ تقوم الكاميرات بمسح الجمهور الذي يصل إلى نحو 75 ألف شخص، قبل اختيار وجوه عشوائية لعرضها على الشاشات، مرفقة ببيانات ساخرة مثل «11 أسبوعاً بلا إجازة... احتراق وظيفي» أو إشارات شخصية أخرى، في محاكاة ناقدة للطريقة التي تُحوَّل فيها حياة الأفراد إلى ملفات رقمية قابلة للتحليل والتصنيف.
الفكرة، بحسب مؤسس الفرقة روبرت ديل ناغا، هي فتح نقاش أوسع حول النفوذ المتزايد لشركات التكنولوجيا الخاصة داخل البنى الاجتماعية والأمنية. ويقول إن ما يثير القلق هو انتقال شركات مثل «بالانتير» من تطوير تقنيات مرتبطة بالعمليات العسكرية وسلاسل اتخاذ القرار في الحروب، بما في ذلك غزة، إلى إدارة وتحليل بيانات مدنية شديدة الحساسية مثل السجلات الصحية، وفق ما نقل موقع «نوفارا ميديا».
بالنسبة إلى ديل ناغا، المشكلة لا تقتصر على التكنولوجيا نفسها، بل على هذا الكم من المعلومات والقدرة التحليلية في يد شركات ذات توجهات ومصالح خاصة. ويصف تصورات «بالانتير» حول استخدام الذكاء الاصطناعي لدمج سجلات الشرطة والمواقع الجغرافية والبيانات الصحية والمالية بأنها «مرعبة»، محذراً من تجاوز قد يصبح من الصعب التراجع عنه
تأسست «بالانتير» قبل أكثر من عقدين على يد الملياردير الأميركي بيتر ثيل، بدعم مالي مبكر من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. سرعان ما تحولت إلى أحدى أبرز شركات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، مع عملاء كمؤسسات عسكرية وأمنية أميركية وإسرائيلية، إضافة إلى جهات حكومية ومدنية.
العرض البصري الذي أنجزته الفرقة بالتعاون مع مجموعة «يونايتد فيجوال آرتستس» يحاكي واجهات أنظمة الشركة مثل «غوثام»، المستخدم من قبل حكومات وجيوش، و«فاوندري» المخصص للاستخدامات المدنية. البيانات التي تظهر على الشاشة ساخرة، تهدف لدفع الجمهور إلى تخيّل مستقبل تصبح فيه تفاصيل الحياة اليومية، من النشاطات الرقمية إلى المعلومات الصحية والمالية، جزءاً من قواعد بيانات ضخمة تديرها شركات خاصة.
تتزامن خطوة «ماسيف أتاك» مع تصاعد الجدل حول «بالانتير» في بريطانيا. ففي عام 2023 حصلت الشركة على عقد بقيمة 330 مليون جنيه إسترليني مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية لتطوير منصة لتبادل البيانات، ما أثار اعتراضات من عاملين في القطاع الصحي وناشطين في مجال الخصوصية. كما مُنعت الشركة أخيراً من الحصول على عقد مع شرطة لندن بعد اعتراضات تتعلق بسجلّها الأخلاقي.
وبينما تختتم الفرقة أحد أكثر مقاطع العرض قتامة، تظهر على الشاشة خريطة للعالم مرتبطة باستثمارات «بالانتير»، قبل أن تترك الجمهور أمام اقتباس شهير لبيتر ثيل: «لم أعد أعتقد أن الحرية والديموقراطية متوافقتان».

