
يعتبر برنامج «60 دقيقة» واحداً من البرامج الكلاسيكية في التلفزيون الأميركي الذي يؤسس للهوية الديمقراطية الأميركية وحرية التعبير، ومنصة لمساءلة العالم أجمع. لعب البرنامج دوراً كبيراً في مساءلة الأنظمة العربية وقياداتها عن قمعهم لشعوبهم خلال ما يعرف بالربيع العربي، إلى أن وصل الربيع إلى بلاد العم «السام» مع تظاهرات ولاية مينيابوليس التي قمعتها القوات الأميركية، فكشف البرنامج والشبكة عن «أنيابهما» بالإطاحة بمجموعة من أبرز صحافييهما، بعد يوم واحد فقط من حصد البرنامج لجوائز «إيمي» المرموقة.
تحدث الصحافي والإعلامي الأميركي المخضرم سكوت بيلي، في حلقة من بودكاست The Interview عن كواليس أزمة شبكة «CBS News» الأميركية وبرنامجها الشهير «60 Minutes». وهي أول مقابلة يجريها بعد قرار طرده المفاجئ من الشبكة التي عمل فيها لمدة 37 عاماً.
وتحدث بيلي عن صدمة كبيرة من قرار الإدارة الجديدة بفصل مفاجئ لعدد كبير من كبار الموظفين والمسؤولين في البرنامج الشهير، من بينهم المنتجة التنفيذية ومراسلات بارزات، بعد يوم واحد فقط من فوز البرنامج بجائزتي «ايمي» وتحقيقه نسب مشاهدة قياسية.
ويوجه بيلي اتهامات مباشرة لرئيسة تحرير «CBS News» المعينة حديثاً، باري فايس بمحاولة فرض «انحياز سياسي» والتأثير على محتوى تقرير صحافي حساس يخص احتجاجات مدينة مينيابوليس وإظهاره بما يتماشى مع رواية إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وتحدث تحديداً عن تقرير كان يعدّه حول احتجاجات مينيابوليس وشرطة الهجرة. وذكر أنها أرسلت ملاحظات تطلب فيها إظهار المتظاهرين بشكل أكثر عنفاً وتغيير وصف حادثة مقتل امرأة بما يطابق رواية الرئيس ترامب، رغم أن الفيديوهات كانت تثبت عكس ذلك. وأكد: «كان هناك ضغط لتغليب رواية الرئيس للأحداث، وهو مستوى من النفوذ السياسي لم أشهده طوال 37 عاماً في CBS».
ولم تقتصر انتقادات بيلي على الإدارة الحالية، بل هاجم التوجهات البراغماتية للإدارة السابقة للشبكة، كاشفاً عن قيامها بدفع تسوية مالية بلغت 16 مليون دولار للرئيس ترامب لإنهاء دعوى قضائية كيدية رفعها ضد البرنامج عقب مقابلة كامالا هاريس. ووصف بيلي هذه التسوية علناً بأنها «رشوة بملايين الدولارات تم دفعها للرئيس» لشراء صمته وتسهيل نيل الموافقات التنظيمية لتمرير صفقة بيع الشركة للمالك الجديد.
في الميزان المهني، لا يخرج سكوت بيلي عن الأطر العامة للبروباغندا الإعلامية الأميركية؛ إذ تفاخر خلال اللقاء ذاته بدوره الميداني في التغطية الحربية المرافقة للجيش الأميركي في غزو أفغانستان والعراق. إلا أن شهادته الأخيرة وطرده التعسفي يسهمان بشكل غير مقصود في تعميق الرؤية النقدية لواقع الحريات في أميركا، مؤكدةً على المفارقة التاريخية بـ «أن هوامش الديمقراطية والحرية تظل متاحة فقط طالما لم تصل الحقيقة المجرّدة إلى عقر الشوارع الأميركية».

