
شهدت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا خلال الأيام الماضية انتشار حملات رفعت شعار «محاسبة الشبيحة من ثوار 2011». ولم تبق هذه الحملات محصورة في الفضاء الافتراضي، بل ترافقت مع حوادث اعتداء على أفراد وممتلكات خاصة، ودعوات إلى التهجير والإقصاء، في تطور يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل السلم الأهلي في سوريا.
View this post on Instagram
وما يميز هذه الموجة عن حملات سابقة _كانت أكثر عنفاً_ أنها لم تستهدف أفراداً بعينهم أو متهمين بارتكاب انتهاكات محددة، أو حتى جاءت في سياق رد فعل على حدث محدد، فهذه المرة بدأت الحملات وتوسعت من دون سبب مباشر ظاهر لتشمل شرائح اجتماعية ومكونات سورية كاملة، مع تبدل العناوين والشعارات المستخدمة في كل مرة، بما يعيد إنتاج مناخات الكراهية والانتقام.
كل المعارضة «ثوار»... وكل الآخرين «فلول»؟
ورغم تحذيرات أطلقها صحافيون وناشطون من خطورة الخطاب التحريضي الذي يدفع السوريين إلى مواجهة بعضهم البعض، ويقوض أي مشروع لبناء دولة قانون قوامها المواطنة والتعايش، فإن الجدل اتسع حول المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه الحملات.
فقد حمّل كثيرون السلطة السورية الجديدة جانباً من المسؤولية بسبب ما وصفوه بخطاب إقصائي منذ تسلمها إدارة البلاد، وغياب مواقف حاسمة تجاه الانتهاكات الأمنية وأعمال العنف التي شهدتها مناطق سورية مختلفة منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وعدم جديتها في التعامل مع ملف «العدالة الانتقالية» الذي ظهر في عمليات الملاحقة والمقاضاة الدرامية. في المقابل، اعتبرت حسابات أخرى أن هذه الحملات تضر بالحكومة نفسها وبمسار المرحلة الانتقالية، ورأت أنها تخدم أطرافاً إقليمية لا مصلحة لها في استقرار سوريا.
لكن الاعتراض الأبرز تمثل في رفض تصنيف ملايين السوريين الذين عاشوا في مناطق سيطرة النظام السابق بوصفهم «فلولاً» أو «شبيحة»، مقابل منح صفة «الثوار» بصورة جماعية لكل من كان خارج تلك المناطق. ويرى منتقدو هذا المنطق أنه يختزل السوريين في هويات سياسية متناقضة، ويؤسس لعقاب جماعي يتجاهل المسؤوليات الفردية وسيادة القانون. كما يزيل مسؤولية أطراف أخرى ضمن قوى المعارضة عن العديد من الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين خلال الحرب السورية.
تهجير سكان «أحزمة البؤس»
شهدت بعض أحياء السكن العشوائي المحيطة بدمشق، المعروفة شعبياً بـ«حزام دمشق»، تحركات طالبت بخروج أبناء الطائفة العلوية من منازلهم والعودة إلى مناطق الساحل السوري. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة هتافات ذات طابع طائفي، إلى جانب أعمال تخريب طالت سيارات وممتلكات خاصة.
مظاهرات لأهالي حي المزة بالعاصمة دمشق تطالب بطرد الشبيحة، انطلقت من الشيخ سعد واتجهت نحو حاجز ٨٦ مدرسة pic.twitter.com/I4rKgRHL5w
— و ر د | ward (@ward_337) June 16, 2026
ولا تعد هذه الحوادث الأولى من نوعها منذ سقوط النظام السابق، إذ تعرضت هذه المناطق خلال الأشهر الماضية لأشكال متفاوتة من الضغوط والعنف اليومي. كما أثارت محاولات حكومية سابقة لإضفاء طابع شرعي على هذه الأعمال بإدراجها تحت عنوان عمليات إخلاء من أجل التنظيم العمراني، كما حدث في منطقة مساكن السومرية في دمشق، جدلاً واسعاً في ظل أزمة سكن خانقة تعيشها البلاد.
(( وال ما بشارك👏👏 .. مافيه ناموس👏👏 ))
— عبير 《الشامية》 (@aborakoh) June 16, 2026
هانحن نعيدها سيرتها الأولى
وأهالي حي برزة الدمشق ينتفضون للمطالبة بمحاسبة شبيحة عش الورور الذين اوغلوا في دماء اهالي هذا الحي الدمشقي أيام النظام البائد https://t.co/hfcwDYbC2E pic.twitter.com/J8JHU7uh4R
وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرة السكن العشوائي في سوريا تعود إلى عقود طويلة، وارتبطت بموجات نزوح داخلية من الأرياف نحو المدن بحثاً عن فرص العمل والتعليم، سواء من مناطق الساحل أو من المحافظات الشرقية التي تعرضت لموجات جفاف متكررة.
العنف في الشارع ليس محاسبة!
ومن بين الحوادث التي أثارت غضباً واسعاً، تداول ناشطون مقطع فيديو يظهر الاعتداء على أشخاص في مناطق سورية مختلفة بذريعة تعاونهم مع أجهزة النظام السابق، فيما يغيب أي مظهر من مظاهر وجود الدولة وأجهزتها الأمنية. والمفارقة أن بعض الأصوات التي تطالب بتحقيق العدالة الانتقالية عبر المؤسسات والقضاء أبدت تأييداً لهذا النوع من العقاب خارج إطار القانون بذريعة أن المجتمع يحاسب «الخونة».
View this post on Instagram
كما دفعت حوادث انتقامية متزايدة بعض المتضررين إلى طلب الحماية من أطر دولية فيما طلبها آخرون من قوى عشائرية أو اجتماعية، في مؤشر مقلق على تراجع الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون وضمان الحقوق. ويعكس ذلك خطراً متزايداً يتمثل في انتقال النزاعات من المجال القانوني إلى منطق الثأر وردود الفعل الجماعية، بما يهدد بإنتاج دوائر جديدة من العنف المتبادل. والذي حمل بعض السوريين مسؤوليته للدولة الجديدة التي بدأت بفرض سلطتها بالاستعانة بهذا النوع من الحملات والفزعات ضد مكونات سورية أخرى.
في آخر ظهور له يتحدث فواز طرابلسي عن أن الحرب الأهلية ليست حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل من التأزم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إذ كلما ازداد الظلم في توزيع الثروة، واتسعت الفجوات الاجتماعية، وامتنعت السلطة عن إجراء إصلاحات حقيقية حتى في أبسط الملفات المعيشية، ازدادت التوترات داخل المجتمع، بما فيها التوترات الطائفية. وعندما يدخل السلاح إلى هذه البيئة المتأزمة، تصبح احتمالات الانزلاق إلى صراع أهلي أكثر واقعية.
ورغم أن وصف طرابلسي كان عن الحرب الأهلية في لبنان إلا أنها صالحة للوضع السوري اليوم حيث تبدو البلاد على درب إنتاج حرب أهلية جديدة ويحكمها سؤال «وين كنت من 14 سنة؟» كأساس للمحاسبة، بدلاً من «هل تريد إعادة تلك ال 14 سنة؟» كأساس للعدالة الانتقالية والمصالحة.

