حق الرد قانون البذور: كيف يشوَّه النقاش العلمي المفيد بالتهويل والتخويف

تنشر «الأخبار» هذه المادة بحرفيتها، كما وردت من السيد علي الرفاعي، مدير المبيعات في شركة «Seed Bound»، وتعذّر نشرها على النسخة الورقية بسبب حجمها. وهي تمثل النص الأساسي للرد الذي نُشر على النسخة الورقية اليوم الخميس في 2 شباط 2026 على مقالة الزميلة زينب حمود، المنشورة في عدد يوم الإثنين الواقع فيه 1 كانون الأول 2025، بعنوان «اقتراح قانون مشبوه لتنظيم تجارة البذور: وزير الزراعة يفتح الطريق للاستعمار الغذائي!». وفيما يأتي نص المادة:
لا تهدف هذه المقالة إلى الدفاع عن مشروع قانون تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار بوصفه نصاً مثالياً أو منجزاً نهائياً، بل إلى تفنيد بعض المغالطات والمقاربات الصحافية التي تُشوّه، عن قصد أو عن غير قصد، النقاش الواجب حصوله حول هذا الموضوع. ومن بين هذه المقاربات مقالة الأستاذة زينب حمود التي نشرتها صحيفة الأخبار بتاريخ الإثنين 1 كانون الأول 2025، والمعنونة: «اقتراح قانون مشبوه لتنظيم تجارة البذور: وزير الزراعة يفتح الطريق للاستعمار الغذائي!»
تنطلق الكاتبة في مقالها من توصيف المشروع على أنه «مشبوه»، ثم تمضي في إطلاق أحكام مسبقة من دون قراءة دقيقة للنصوص، أو حتى محاولة تواصل مهني مع بعض الأطراف المعنية التي جرى ذكرها بالاسم.
والمشكلة هنا ليست في حق النقد، وهو حق مشروع ومطلوب، بل ومفيد في أي نقاش عام، بل في أسلوب النقد نفسه: عنوان يحسم الإدانة قبل التحليل والنقاش، واستنتاجات كبرى تُبنى على افتراضات لا على مواد قانونية، وسيناريوهات تهويلية تصل إلى حدّ زجّ اسم إسرائيل بطريقة تنافي الواقع، بما يدفع المتلقي غير المختص إلى الاصطفاف خلف متراس الحكم المسبق على مشروع قانون يُفترض أن يكون أحد أهدافه الارتقاء بالقطاع الزراعي في لبنان، وتمكينه من تحصين اقتصاده الزراعي في وجه العدو، لا العكس.
مغالطة العنوان: قانون «مشبوه» أم نقاش «مشبوه»
اختارت الكاتبة في عنوان مقالتها وصف مشروع القانون بأنه مشبوه. ومن البديهي القول إن هذا الوصف ليس توصيفاً قانونياً أو تقنياً، بل هو مجرّد حكم سياسي وأخلاقي مسبق يفترض وجود نوايا خبيثة أو مصالح غير معلنة.
غير أن مراجعة نص مشروع القانون، كما ورد في المسودة الرسمية التي تخضع حالياً للنقاش بين وزارة الزراعة وعدد من الأطراف المعنية بالقطاع الزراعي في لبنان، تُظهر بوضوح أنه:
• قانون تنظيمي يختص بتجارة البذور ومواد الإكثار والتداول بها، وليس قانون خصخصة أو قانون امتيازات حصرية.
• لا يمنح أي شركة أو جهة معينة امتيازاً قانونياً أو احتكارياً.
• لا يتدخل في طبيعة الملكية العامة للأراضي أو الإنتاج الزراعي.
وعليه، فإن توصيفه بالمشبوه لا يستند إلى نصوص القانون نفسه، بل إلى انطباع مسبق تم توليده ثم تداوله على نطاق واسع عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وقد حوّل ذلك ورشة النقاش المفيد التي يجب العمل عليها إلى مساحة للإدانات المتبادلة والتهويل، ما أضرّ بالنقاش، وأضرّ بجميع أطرافه، ويضرّ في النهاية بالمزارع نفسه.
نكتة «فحص بذرة البندورة»
في مقالتها تقول حمود: (وفقاً لمشروع القانون، إذا أراد مزارع زراعة البندورة مثلاً، يتوجّب عليه أن يحمل أولاً البذرة إلى المختبر لفحصها، ثم الحصول على «ملكية فكرية» من وزارة الاقتصاد، ليتم في النهاية الترخيص له بزراعتها وبيعها من قبل وزارة الزراعة).
هذا السيناريو المتخيّل والتهويلي لا يرد في مشروع القانون لا نصاً ولا روحاً ولا مضموناً، وهو أقرب إلى نكتة حقيقيّة منه إلى كلام قانوني. فالقانون لا يتعامل مع كل بذرة تُزرع، ولا يطلب من المزارع فحص البذور التي يريد زراعتها، ولا يربط بين الزراعة الفردية والملكية الفكرية.
القانون يهدف فقط إلى تنظيم تداول الأصناف بشكل تجاري: تسجيل الأصناف التي تُعلّب، وتُسوّق، وتُباع في السوق المحليّة أو تُصدّر، لا إخضاع المزارع لإجراءات مخبرية يومية.
إن الخلط الفادح هنا بين تنظيم السوق الزراعية كمساحة تجارية يجب تنظيمها وبين إخضاع كل المزارعين لإجراءات معقّدة وتكاليف ورسوم هو خلط يطرح سؤالاً كبيراً حول مدى التمعّن في قراءة النص القانوني، أو ربما حول النوايا التي تختبئ خلف تحوير النقاش بهذا الشكل.
ثم ماذا لو أراد أحد ما أن يلعب لعبة السيناريوهات المتخيّلة هذه؟ ألا يمكن تخيّل سيناريو آخر يعكس نتائج الفوضى الحالية: كأن تقوم جهة من الجهات التي تقول إنها تقوم بزراعة البذور البلدية بتصدير إحدى هذه البذور إلى دولة عربية شقيقة على أنها بذرة «كوسى بلديّة»، ليتبيّن لاحقاً أنها في الواقع بذرة «قرع».
هذا السيناريو (ولنفترض مثلاً أنه مجرّد افتراض متخيّل ولم يحدث قطّ) يوضح حجم المخاطر التي قد تنشأ عن غياب أي إطار تنظيمي واضح لتجارة البذور.
في مثل هذه الحالة، من يتحمّل مسؤولية المنتج الوطني اللبناني وصورته في الخارج؟ وكيف يمكن للدولة وأطرها ومؤسساتها التأكد من صحة الأصناف المصدّرة أو المتداولة محليّاً على المستوى التجاري وضمان مطابقتها للمواصفات، في غياب معايير علمية واضحة وإجراءات رسمية تنظم التسجيل والتداول والمراقبة؟
القانون، إذن، لا يهدف إلى تقييد المزارعين، بل إلى تنظيم تجارة البذور، وحماية المنتج اللبناني، والحفاظ على مصداقيته، وتجنّب أي أضرار محتملة قد تلحق بالقطاع الزراعي والمزارعين والاقتصاد الوطني.
هذه إذن واحدة من أبرز المغالطات التي وردت في مقالة حمود، بحيث خلطت الكاتبة بين تنظيم تجارة البذور (الاستيراد، التسويق، التسجيل التجاري)، ومصادرة حق المزارع في الزراعة أو تبادل البذور التقليدية.
مشروع القانون، في صيغته الحالية، ينظّم ما يدخل إلى السوق التجارية وما يُباع ويُسوّق على نطاق واسع، ولا يتدخل في الزراعة المنزلية أو الممارسات التقليدية بحد ذاتها. نعم، يمكن – ويجب – مناقشة أثر بعض الشروط الإدارية على صغار المنتجين، لكن هذا شيء، والادعاء بأن القانون (يصادر الزراعة) شيء آخر تماماً.
المفارقة أن المقالة تعاملت مع أي تنظيم باعتباره مؤامرة، متجاهلة أن غياب التنظيم هو نفسه ما سمح تاريخياً بدخول بذور مجهولة المصدر، وأضعف الرقابة، وضرب الإنتاج المحلي، وشوّه حتى مفهوم البذور البلدية نفسه.
دفع المزارع قسراً نحو البذور الهجينة!
تتابع الكاتبة في مقالتها قائلة: (... مشروع القانون، الذي يعرف واضعه جيداً أن المزارع لن يتحمّل هذه الإجراءات المعقّدة، وسيتوجه حكماً إلى الخيار الثاني، وهو: شراء البذور الهجينة من الشركات المُنتِجة و«يا دار ما دخلك شر»).
يتجاهل هذا الكلام حقيقة أساسية: الزراعة في العالم، ولبنان ضمناً، تتجه منذ عقود نحو البذور الهجينة لأسباب علمية وتقنية واضحة، وليس بفعل ضغوط قانونية أو مؤامرة عالميّة. إذ تشير البيانات والإحصاءات إلى أن البذور الهجينة باتت تمثل نحو 45% من إجمالي بذور المحاصيل عالميّاً، مع توقع استمرار هذه النسبة في الارتفاع بسبب ارتفاع الطلب العالمي على الغذاء.
وفيما لا يمكن نفي أن الشركات العالمية الكبرى لديها مصالح اقتصادية بحتة، وأن هذه المصالح قد تتعارض أحياناً مع مصلحة المزارعين التقليديين، غير أن تحويل هذا المسار إلى مؤامرة عالميّة أو محلية هو تبسيط مخلّ للتاريخ الزراعي والعلمي، ويتجاهل الأدلة المتراكمة حول ما يجعل البذور الهجينة مرغوبة ومستفاداً منها في أنظمة الإنتاج الزراعي الحديثة في كل أنحاء العالم.
تُظهر الدراسات الزراعية أن البذور الهجينة تحقق زيادات إنتاجية ملحوظة تُراوح غالباً بين 20% و30% مقارنة بالأصناف التقليدية، ولا سيما في محاصيل أساسية مثل الذرة والخضار. ولا تنعكس هذه الزيادة على دخل المزارعين فحسب، بل تشكّل أيضاً أحد العناصر الرئيسية في تلبية الطلب العالمي المتزايد على الغذاء، في ظل تراجع المساحات الزراعية المتاحة واشتداد الضغوط البيئية.
وتوثّق هذه الدراسات، إضافة إلى أدبيات الزراعة الحديثة، جملة من المزايا الأخرى للبذور الهجينة، أبرزها ارتفاع الغلة، وتحسّن تجانس المحصول من حيث الحجم والجودة بما يسهل عمليات التسويق والتصنيع، إضافة إلى قدرة أفضل على مقاومة الأمراض والضغوط المناخية كالآفات والجفاف. كما تتميّز هذه البذور باستقرار أعلى في النتائج بين موسم وآخر، ما يخفف من المخاطر الاقتصادية التي يواجهها المزارعون ويجعل الإنتاج أكثر قابلية للتنبؤ.
فضلاً عن ذلك، تقنيات إنتاج البذور المهجّنة لم تعد حكراً على الشركات الكبرى، بل أصبحت متاحة لدول عدة لتعزيز اقتصادها الزراعي، مثل تايوان والهند والصين وتركيا، بل وحتى إسرائيل التي سنعود للحديث عنها لاحقاً.
شهادات المزارعين وإسرائيل… المشاعر شمّاعة لتمرير المغالطات
في مقالتها، أوردت الأستاذة حمّود شهادات لعدد من المزارعين تعكس مخاوف شخصية متعلقة بمشروع القانون، من قبيل القول إن القانون سيجبرهم على (النزول إلى بيروت لفحص البذور) أو إن (المزارع مُجبَر على شراء بذور هجينة لأن القانون لن يتيح له تداول بذوره التقليدية). لكن هذا الوصف، مرة أخرى، لا يعكس ما ورد في نص مشروع القانون، بل يعكس تصوّراً مبالغاً فيه يغلب عليه الطابع العاطفي على حساب الدقة العلمية أو القانونية، ويحوّل تجارب هؤلاء المزارعين وهواجسهم وتصريحاتهم الشخصية إلى أداة للابتزاز العاطفي بدل أن تكون مقدمة لتحليل واقعي موضوعي.
إن إقحام تجارب محدّدة من الزراعة التقليدية ضمن نقاش قانوني يخص تنظيم تجارة البذور هو خلط بين مستويات مختلفة من النقاش: مستوى الزراعة التقليدية، ومستوى تنظيم السوق التجارية. وهما مستويان لا يوجد في مسودة القانون المقترح ما يربط بينهما كما قد يُصوَّر لمن يقرأ المقالة.
من المهم جداً أخذ كلام هؤلاء المزارعين وغيرهم على محمل الجد، إذ إنه يعبّر بصدق عن مخاوف حقيقية مرتبطة بالتغيّر في نماذج الإنتاج وبالتبعية للسوق التجارية. غير أن احترام هذه المخاوف لا يكون عبر تكريسها كحقائق قانونية، ولا عبر تضخيمها في خطاب تعبوي، بل من خلال فتح نقاش هادئ ومسؤول يستند إلى قراءة حقيقية للنصوص، ويُميّز بين ما هو خوف مشروع من تحوّلات اقتصادية فعلية، وما هو ادعاء لا يسنده القانون ولا الوقائع، بما يحفظ المصلحة العامة، ويمنع الفوضى، ويقود إلى سياسات تحمي المزارع فعلاً، ولا تستخدم اسمه لتبرير مغالطات لن تخدمه في نهاية المطاف.
وفي سياق شبيه، تمرّر المقالة إشارات متكررة إلى إسرائيل، وكأن تنظيم قطاع البذور في لبنان يشكّل خدمة غير مباشرة لها أو نوعاً من الاستسلام أمامها. وبعيداً من بداهة القول إن إسرائيل لا يزعجها شيء بقدر ما تفرحها الفوضى حين تصيب أي قطاع إنتاجي في أي بلد عربي، بل إنها تعمل بشكل منهجي لتتسيّد منطقة من دول فاشلة غارقة في اللاتنظيم، فإن حقيقة سوق البذور العالمي أكثر تعقيداً من هذا الاختزال.
إسرائيل اليوم فاعل حقيقي في سوق البذور العالمية. شركات إسرائيلية عدة تعمل منذ عقود في تطوير وإنتاج وتسويق البذور الهجينة، ولها حضور فعلي في أسواق عالمية وعربية متعددة. ومن خلال شبكات التوزيع الدولية، تصل هذه البذور إلى مختلف الأسواق، بما فيها الأسواق العربية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. أي إن إسرائيل موجودة في كل طبق نأكله، لا بسبب كونها سوبر دولة، بل بسبب غياب قدرة اللادول المحيطة بها على المنافسة.
وضمن هذا الفهم الاستراتيجي للموضوع، يصبح السؤال الحقيقي الواجب طرحه:
هل تتحقق السيادة الغذائية حين تترك الدولة هذا القطاع الاستراتيجي مفتوحاً للسوق العالمية، بما فيه اللاعب الإسرائيلي، بلا أي نوع من أنواع الضبط أو التنظيم؟ أم تكون بمحاولة بناء إطار قانوني ومؤسساتي يمكّن لبنان من أن يكون منتجاً، ورقيباً، ومنافساً فعلياً في هذا السوق؟
والسؤال الأعمق من ذلك: ما الذي ينقص لبنان ليكون نداً ورائداً في هذا المجال؟ لبنان الذي يملك كفاءات علمية، وخبرة زراعية، وقطاعاً خاصاً نشطاً، ويحتل فيه لبنانيون كثر مواقع متقدمة في عالم البذور في المنطقة والعالم.
لماذا نصرّ دائماً على انتظار الفشل بعد الفشل، لنكتشف متأخرين أن إسرائيل سبقتنا إلى قطاعات كنا نملك كل مقومات الريادة فيها... من السياحة، إلى الصناعة، إلى المرافئ والمطارات، وصولاً إلى الزراعة، ثم نعود بعد سنوات لنبكي على لبنان الذي كان بدل أن نسأل أنفسنا لماذا لم نحمِ ما كان يمكن أن يكون؟
تنظيم قطاع البذور ليس ترفاً، كما إنه ليس خضوعاً أو تنازلاً، بل هو أحد أشكال المواجهة الباردة في ساحة تجارة عالمية تُركت طويلاً بلا دولة وبلا رؤية. ومن هنا، فإن تجارب المزارعين ومخاوفهم لا يجوز استخدامها كحجة قاطعة ضد أي تنظيم، بل يجب قراءتها كمؤشر على حاجة فعلية إلى حوكمة زراعية متوازنة، تحمي الاستدامة المحلية، وتمنح لبنان موقعاً فاعلاً في السوق الدولية بدل إبقائه متلقياً ضعيفاً على هامشها.
مغالطات علمية
في مقالتها، تنقل الأستاذة حمود عن «الحركة الزراعية» كلاماً يتضمن مغالطات علمية فادحة، إذ تتناول موضوع الأصناف المحلية والهجينة بأسلوب عاطفي يغفل الحقائق العلمية ويخلط بين التنوع الوراثي المحلي والسياسات الزراعية والتنظيم القانوني. فهي تصف الأصناف المحلية بأنها تحمل (ذاكرة بيولوجية ممثّلة بتعديلات جينية)، وهو توصيف شاعري لا يمت إلى العلم بصلة، بينما الحقيقة أن الأصناف المحلية تتميز بتنوع وراثي تراكمّي داخل الجماعة النباتية (Genetic Diversity) نتج من عاملَي الانتخاب الطبيعي والاختيار البشري عبر عقود طويلة، وليس من تعديل جيني (Genetic Modification). بل حتى إن علم الوراثة فوق الجينية (Epigenetics) لا يمكن أن يدعم الصورة التي حاولت المقالة رسمها بهذا الشكل.
ومن المغالطات الأخرى ما يتعلق بالمقاومة البيولوجية، إذ تدّعي المقالة أن الأصناف المحلية تتحمل الجفاف والآفات بينما الهجينة ضعيفة، وهذا تبسيط مستغرب صدوره عن شخص معني بالشأن الزراعي، لأن معظم الهجن الحديثة صُمّمت تحديداً لتلبية الحاجة إلى أصناف قادرة على تحمل الجفاف ومقاومة الأمراض والنمو في التربة الهامشية والتكيف مع الضغوط المناخية. وبالتالي فإن مقاومة النباتات ترتبط بالاختيار الوراثي والتكيّف البيئي وليس بأصل الصنف سواء كان محلياً أو هجينيّاً.
كذلك يبالغ النص في تصوير الهجين كعامل يؤدي إلى أحادية المحاصيل أو دمار المحاصيل المحلية، فيما الحقيقة أن الأحادية الزراعية ترتبط بخيارات الإنتاج والمساحات المزروعة وليس بالهجين نفسه. علاوة على أن التهويل حوّل التلقيح الخلطي غير مبرر بالنسبة إلى معظم المحاصيل التقليدية مثل البندورة التي تتميز بالتلقيح الذاتي بنسبة 95–99%، والتلقيح الخلطي فيها محدود ويمكن ضبطه بسهولة عبر الممارسات الزراعية التقليدية. ومن هنا يصبح الادعاء بأن الهجين سيدمر الأصناف المحلية (خلال ست سنوات) مغالطة علمية صارخة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن ربط استخدام البذور الهجينة بفقدان خصوبة التربة أو بظهور أمراض كالسرطان أو اضطرابات هرمونية هو ادعاء غير علمي مطلقاً، لأن ما يؤدي فعلياً إلى استنزاف التربة أو المخاطر الصحية هو سوء إدارة المبيدات والأسمدة الكيميائية وليس البذور الهجينة نفسها. فالهجين أداة لتحسين الإنتاجية والجودة، ويمكن أن يتعايش مع الأصناف المحلية إذا توافرت الممارسات الزراعية السليمة والحوكمة العلمية المسؤولة، والاعتراف بهذه الحقيقة لا يقلل من قيمة الأصناف المحلية بل يمكّن من بناء سياسة زراعية متوازنة تجمع بين حماية التنوع المحلي وتعزيز القدرة التنافسية في السوق.
ليس لحماية شركة واحدة، بل لخلق قطاع كامل
تقول الكاتبة في مقالتها: «لدى سؤاله عن اقتراح قانون تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار، يدور وزير الزراعة نزار هاني حول نقطة أساسية واحدة، وهي: البزنيس، فيكرّر اسم أنيس حداد، صاحب شركة SEED BOUND التي تنتج البذور المُهجّنة في لبنان، ويلفت إلى أن هذا القانون يحمي أصحاب الشركات العاملة في هذا القطاع. لكنّ الهاني لا يعرف غير حداد، وفعلياً لا توجد في لبنان شركة إنتاج بذور أخرى.
فهل نعدّ قانوناً لنحمي شركة واحدة ونهدد مصير كل المزارعين؟»
ولو أن الكاتبة قد قامت بما يمليه عليها واجبها الصحافي من التقصي والتواصل، فتواصلت مع أنيس حداد، لكان أوضح لها كما أوضح لنا أنّ هاجسه ودافعه منذ سنوات للعمل على تنظيم قطاع البذور في لبنان ليس حماية شركته، بل خلق قطاع زراعي جديد ومستدام قادر على استيعاب الاستثمارات وتحويل الإنتاج الزراعي إلى نموذج أكثر استقراراً واستدامة وربحية.
ويشير الكتاب التوضيحي الذي رفعه حداد إلى وزير الزراعة إلى أن الهدف الرئيسي هو جعل لبنان بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار في إنتاج وتجارة البذور من خلال تشريعات واضحة، تشجع الشركات المتخصصة على القدوم، ما يتيح إقامة قطاع إنتاج بذور حقيقي يقوم على: تنظيم الإنتاج، وإنشاء نقابة لمنتجي البذور، وتحويل المزارع من كونه رهينة تقلّب الأسعار إلى منتج متعاقد، وحمايته من تقلبات السوق والمواسم.
وبهذا يتحول المزارع من مجرد منتج خضار إلى شريك في سلسلة قيمة أعلى وأكثر استقراراً، ويعزز استقلالية القطاع الزراعي اللبناني وقدرته على المنافسة محلياً ودولياً، بدل أن يبقى معرّضاً للفوضى السعرية والتقلبات المناخية والأسواق غير المنظمة.
وهكذا يتضح أن القانون المقترح لا يهدف إلى حماية شركة واحدة أو إقصاء المزارعين، بل إلى بناء بنية تحتية تشريعية وزراعية متكاملة تضع لبنان في موقع فاعل قادر على المنافسة وجاذب للاستثمار في إنتاج البذور، بدل الاكتفاء بدور المستهلك والمتلقي الهامشيّ.
ختاماً، يمكن القول إن توصيف مشروع قانون تنظيم تجارة البذور بأنه مشبوه لا يصمد أمام قراءة هادئة ومتأنية للنصوص، بل يعكس موقفاً سلبياً مسبقاً طغى على التحليل الصحافي. وما يحتاجه القطاع اليوم ليس الدفاع الأعمى عن أي مشروع قانون ولا شيطنته، بل فتح نقاش تقني وعلمي موضوعي يستند إلى النصوص ويبحث في تعديل المواد الإشكالية، بعيداً من افتراض النوايا أو إطلاق الأحكام المسبقة. أما الصحافة، فدورها الحقيقي لا يقتصر على نقل الانطباعات، بل يجب أن يكون في تفكيك الوقائع والحقائق وتوضيحها، وهو الدور الذي يغيب للأسف عن معظم النقاش الجاري في البلد حول هذا الموضوع.

