
لا تُختصر بلدة «عشقوت» الكسروانية بكونها بلدة جبلية دفعت الأزمة الاقتصادية أبناءها لمغادرتها يومياً إلى المدن للعمل أو الدراسة. فهي أيضاً نقطة حيوية في أعالي كسروان، تتقاطع عند سوقها ومحالها ومؤسساتها التربوية والخدماتية حركة تجارية واقتصادية مع أبناء البلدات المجاورة.
كما كلّ الأطراف في لبنان، وفي ظل محدودية فرص العمل وغياب قطاعات إنتاجية قادرة على استيعاب اليد العاملة، يجد عدد كبير من أبناء «عشقوت» أنفسهم مضطرين للعمل خارجها، وهو ما تعكسه شهادات «العشقوتيين» الذين يغادرون بلدتهم يومياً للعمل أو الدراسة في رحلة تستغرق مدةً تراوح من نصف ساعة إلى ساعتين يومياً، وفقاً للوجهة.
عملٌ خارج البلدة وحياةٌ داخلها
بحسب جولة «الأخبار» في البلدة، يظهر أنّ غالبية المقيمين يعملون خارجها، حيث تشكل العاصمة بيروت إلى جانب جونية وعدد من البلدات الكسروانية الساحلية وجهةً اقتصاديةً لأبناء البلدة.
ويعيد من التقتهم «الأخبار» من «العشقوتيين» سبب تكبد عناء هذه الرحلة اليومية إلى «ندرة فرص العمل في البلدة»، وهو ما يفسّر سبب الارتباط الاقتصادي الدائم بالعاصمة ومحيطها.
ويتقاطع هذا المعطى مع قناعة لدى سكان البلدة بأنها «مركز سكن أكثر منها مركز اقتصادي»، على الرغم من حيويتها كمركز خدمات وسوق للمنطقة المحيطة بها. ولكن سكانها لا يرون في النشاط التجاري والخدماتي نهاراً أمراً يغني عن التنقل إلى المدن للعمل، إذ أنّها لا توفّر قطاعات إنتاجية أو وظائف متخصصة تستوعب أبناءها. لذا يبدي عدد منهم استعداداً نظرياً للانتقال إلى خارج البلدة مستقبلاً، ويبرز العامل المهني (أي فرص العمل والدخل) كسببٍ أساسي لهذا التوجّه.
«عشقوت» جغرافياً
تقع عشقوت في قضاء كسروان - الفتوح، على ارتفاع يبلغ حولي 1000 متر عن سطح البحر، وتشرف جغرافياً على الساحل الممتد بين جونية وغزير، فيما تتصل من أعاليها بمرتفعات فقرا وكفردبيان. هذا الموقع الوسطي بين الساحل والجبل جعلها تاريخياً بلدة عبورٍ وخدماتٍ للقرى المحيطة، كما رسّخ طابعها السكني - الاصطيافي في آنٍ واحد معاً.
-
جانب من الطبيعة في عشقوت (الأخبار)
يُقدَّر عدد سكان عشقوت المسجّلين بحوالي 4 آلاف نسمة، فيما يرتفع عدد المقيمين الفعلي صيفاً مع عودة أبناء البلدة المغتربين والمقيمين خارجها، فضلاً عن توافد مصطافين يقصدونها بسبب طقسها المعتدل.
السوق في خدمة القرى المحيطة
على امتداد شوارعها الرئيسية، تفتح المتاجر أبوابها منذ الصباح، وتستقبل حركةً محلية تتجاوز حدود البلدة نفسها. وقرابة العاشرة صباحاً، يدخل الشارع الرئيسي إيقاعاً مختلفاً عن الإيقاع القروي اليومي، حيث ترصد حركة سيارات فوق العادة، تتوقّف تباعاً أمام محال المواد الغذائية.
هذا الموقع الوسطي بين الساحل والجبل جعلها تاريخياً بلدة عبورٍ وخدماتٍ للقرى المحيطة
في الشكل الحركة التجارية هادئة ولكنها مستمرة ومستقرة. هنا يؤكّد أحد أصحاب المتاجر أنّ «الزبائن مش بس من عشقوت، في ناس بتجي من القرى المحيطة»، مشيراً في حديثٍ لـ«الأخبار» إلى أنّ «السوق حافظ على موقعه، باعتباره مقصداً يومياً رغم تغيّر أنماط العمل لدى أبناء البلدة».
-
الحركة اليومية في السوق الرئيسي لعشقوت (الأخبار)
في هذا السوق الذي يحتفظ بحضوره المحلي، تظهر مفارقة مألوفة في بلدات كسروان: البلدة تُقصد نهاراً للتسوّق والخدمات، فيما يعمل جزء كبير من أبنائها خارجها. وبين متجرٍ يفتح أبوابه صباحاً وشابٍّ يغادر بسيارته أو عبر «السرفيس» نحو الساحل، تتوزّع دورة الحياة اليومية التي تربط عشقوت بمحيطها وبالمدينة في آنٍ معاً.
الواقع التربوي في البلدة
تؤكّد معلّمة لغة عربية واجتماعيات تقيم في «عشقوت» منذ نحو أربعين عاماً، في حديثٍ لـ«الأخبار»، إنّها تعمل خارج البلدة «لأنّه ما فيها مؤسسات تربوية كافية تقدر تأمّن هالنوع من العمل»، مشيرةً إلى أنّه «حتى لو كانت متوفّرة، فالمحسوبيات السياسية والاجتماعية والعائلية تقلّل من هذه الفرص».
وتضيف أنّ هذا الواقع لا يطالها وحدها، بل يشمل أبناءها أيضاً، إذ «يعملون في بيروت، ما يضطرهم للاستيقاظ مبكراً للتوجه إلى أعمالهم بسبب عدم توفر فرص عمل في البلدة».
عشقوت، رغم حيويتها المحلية كمركز خدمات وسوق للمنطقة، لا تزال بالنسبة إلى معظم أبنائها بلدة سكن أكثر منها بلدة عمل
وتلفت إلى أنّ ركود البلدة الاقتصادي يفسّر جانباً كبيراً من هذا النزوح اليومي، «لأن ما فيها انفتاح على ميادين جديدة، وتعتمد بس على المتاجر والأسواق الصغيرة، بلا صناعات أو مشاريع بتخلّي الشباب يقدروا يشتغلوا فيها».
ويظهر أثر هذا الواقع كذلك في قطاع التعليم، حيث أشارت إلى أنّ ابنتها تتعلّم خارج البلدة، «مع إنّه كان فيها زمان أكتر من مؤسسة تربوية وأقفلت».
واعتبرت أنّ اضطرار الأهالي إلى إخراج أبنائهم يومياً من البلدة للعمل أو الدراسة «متعب ومحبِط».
65% تراجع الحركة التجارية شتاءً
ويقدّم أصحاب المصالح التجارية صورةً أخرى عن موقع «عشقوت» الاقتصادي. يقول إيليو، صاحب مقهى لبيع الأراجيل في البلدة، إنّ «عشقوت تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز تجاري وخدماتي يخدم أبناءها والمناطق المحيطة. وتضم البلدة شبكة واسعة من المؤسسات التجارية، إلى جانب متاجر الألبسة والمطاعم والسوبرماركات، ما يجعلها وجهة تسوّق رئيسية لسكان القرى المجاورة».
وبحسب إيليو، «تشهد عشقوت ذروة نشاطها خلال فصل الصيف، مع عودة أبناء البلدة المغتربين والمقيمين خارجها لقضاء الموسم فيها، إضافةً إلى توافد مصطافين من بيروت ومناطق أخرى»، ما يعزّز مكانتها كوجهة سكنٍ صيفي في المنطقة.
-
الطريق الرئيسي في عشقوت (الأخبار)
أمّا في الشتاء، «تتراجع الحركة التجارية إلى نحو 65% من مستواها الصيفي، مع اعتماد الأسواق أساساً على المقيمين الدائمين خلال فصل الشتاء».
وأضاف أنّ «عشقوت باتت سوقاً مركزية للمنطقة، في ظل غياب مرافق تجارية مماثلة في عدد من القرى المجاورة، ما يدفع سكان تلك المناطق إلى قصدها لتلبية احتياجاتهم اليومية».
الزراعة تتراجع أمام الزحف العمراني
في موازاة هذا التحوّل التجاري، تراجعت الزراعة في «عشقوت» بشكلٍ كبير مقارنةً بالماضي، بعدما تحوّلت معظم الأراضي الصالحة للزراعة إلى أراضٍ للبناء. هذا التحوّل أدّى إلى انخفاض عدد المزارعين وتبدّل نمط العيش في البلدة التي كانت تُعدّ من أبرز المناطق الزراعية في كسروان.
في حديثٍ لـ«الأخبار» يشير مزارع من البلدة إلى أنّ البلدة كانت «منطقة مزروعة بالكامل تقريباً»، وكانت تُزرع فيها محاصيل موسمية أساسية، وكانت تبيع منتجاتها في أسواق بيروت وجونية وغيرها. والإنتاج كان وفيراً، يضيف، إذ «كان المزارع يبيع محصوله يومياً ويؤمّن دخلاً ثابتاً». أما اليوم، فتراجعت الجدوى الاقتصادية للزراعة مع ارتفاع كلفة الإنتاج وضعف التسويق.
ما يعني بأنّ الزراعة لم تعد كما كانت، بعدما «صادر قطاع البناء كل الأراضي القابلة للزراعة»، ما أدى إلى تقلّص المساحات المزروعة وعدد المزارعين، مؤكّداً أنّ معظم الإنتاج الحالي بات محدوداً وموجهاً للاستهلاك المنزلي أو للبيع بكميات صغيرة، بعدما كانت الزراعة تشكّل مصدر رزق أساسياً لأهالي البلدة.
توسّع عمراني مقابل تراجع القطاعات التقليدية
لم تقتصر حياة أهالي «عشقوت» قديماً على الزراعة، بل شملت أعمالاً حرفية ورعوية. فإلى جانب زراعة الخضار، عمل السكان في تكسير الصخور والبناء وقطع الحطب وصناعة الفحم، إضافةً إلى تربية المواشي التي كانت متوافرة في معظم البيوت. كما عُرفت البلدة بصناعة الفخار التي شكّلت حرفة أساسية قبل أن تختفي تدريجياً مع هجرة الحرفيين ووفاتهم، ولا سيما منذ سنوات الحرب.
اليوم، ومع التوسع العمراني وتراجع القطاعات التقليدية، تحوّل اقتصاد البلدة نحو الخدمات والمهن الحديثة، فيما اندثرت معظم الأنشطة الزراعية والحرفية التي شكّلت يوماً هوية «عشقوت» الاقتصادية والاجتماعية.

