ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الحلقة الأولى من مسلسل التهجير: من الضاحية إلى المجهول

لبنان
|مجتمع
حفظ المقالة

ماذا يعني أن تضطر عائلة إلى إخلاء منزلها تحت القصف؟ وأن تقود سيارتها إلى المجهول؟ وأن تقرر، عندما تعجز عن إيجاد مأوى آمن، العودة إلى منزلها في الضاحية الجنوبية؟

زينب حمود
زينب حمود
السبت 7 آذار 2026
موجة نزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية (مروان بو حيدر)
موجة نزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية (مروان بو حيدر)
الخط

على عكس التوقعات، لم يكن الأثنين الماضي يوما للتحرر من «الحبس المنزلي» بعد وعكة صحية دامت عشرة أيام، بل يوماً للتهجير القسري من منزلي في برج البراجنة، تحت وطأة الحرب الإسرائيلية التي بدأت من دون إنذار. وكان يوما بألف يوم، أشك أن تكون ذاكرتي قد نجحت في تخزين كل الصور التي مرت أمامي والمشاعر المتخبطة يوم الأثنين الأسود.

كنت أستعد للنوم عندما وقعت الضربة الأولى، وبينما أنا تائهة في تفسير ما سمعت، حصل الانفحار الثاني، فاتضحت الصورة: إنها الحرب. حالة من الذهول، والفوضى عمت المنزل. بسرعة قياسية لبسنا ثيابنا، على وقع الضربة الثالثة، من دون أن نعلم إن كنا سننجو، لكننا مضينا من دون أي وجهة واضحة.

كان المشهد في البناء آنذاك يشبه أهوال يوم القيامة. خرج كل الجيران من منازلهم في الوقت نفسه، في الظلام الحالك، مذهولين. بعضهم يحمل محفظة صغيرة على ظهره والبعض الآخر ترك كل شيء وراءه وخرج. مشيت نحو السيارة كمن يمشي وسط الضباب، غير مدركة لشيء إلا ضرورة البقاء قوية أمام إخوتي والخروج من دائرة الخطر.

الخروج من الضاحية

لأول مرة أعي جيدا ما عاشه الجنوبين يوم الأثنين في 23 أيلول عام 2024، وأبناء الضاحية في يوم «الجمعة العظيمة» الذي تلا، عندما أخرجوا من ديارهم على وقع أصوات القذائف. وظلوا تحت أسر زحمة سير لا ترحم. كان السير من الضاحية أيضا مقفلا في جميع الاتجاهات. أكثر من ساعة والسيارة لا تمشي، ونحن لا نبعد عن المنزل سوى بضعة أمتار. كنت أشعر بالغثيان. فتحت الهاتف لأخفف وطأة الانتظار، فقرأت خبر وقوع غارة على طريق المطار لم نسمعها، حاولنا ألا نثير الذعر بين بعضنا لكن نظراتنا كانت فاضحة.

  • «كان المشهد في البناء آنذاك يشبه أهوال يوم القيامة» (مروان بو حيدر)
    «كان المشهد في البناء آنذاك يشبه أهوال يوم القيامة» (مروان بو حيدر)

ونحن عالقون في زحمة قاتلة حرفيا، تواصلنا مع ابنة الجيران، وعرفنا أنها سلكت طريق عين السكة نحو المطار، فالأوزاعي وباتت خارج الضاحية، بينما نحن عالقين في الطريق المؤدية إلى الكفاءات. فغيرنا وجهتنا، إلى تلك الطريق السالكة والأكثر خطورة. عندما وصلنا إلى محلة الجناح، سأل أخي الذي يقود السيارة سؤالا صعبا: «والآن، إلى أين؟». عندها ساد الصمت، لأن الجواب الوحيد هو «إلى المجهول». فكل العائلة الممتدة والمعارف يشاركوننا نفس المصير الآن. غير أن عائلتي لا ترضى أبدا اللجوء إلى منزل أحد، لذلك لم أقترح أي اسم من أصدقائي ومعارفي.

البحر يحضن النازحين

وقع الاختيار على البحر، الذي احتضن الكثير من النازحين، في جو بارد، وهم صيام. نظرنا إلى الساعة، لقد حلّ موعد الإمساك قبل أن نشرب قطرة ماء. لا يهم. المهم أننا بخير. توجهت إلى أحد المطاعم وقلت للنادل صراحة: «نحن خرجنا من منزلنا ونحتاج إلى مكان نقعد فيه، ونلتقط أنفاسنا، لكننا صائمون ولن نطلب أي شيء، فهل يمكنني أن أستأجر طاولة لديكم؟». سكت النادل وبدت عليه علامات الحيرة، فمن جهة تعاطف معنا، ومن جهة ثانية: «نحن لا نؤجر طاولات»، قالها بصوت خافت واستحياء. فأجبته: «أعرف ذلك، لكن اعتبر أنني طلبت قنينة مياه و5 فناجين من القهوة واقطع لي فاتورة لو سمحت، من دون أن تضع أي منها على الطاولة». توجه النادل إلى صاحب المطعم الذي يجلس على أريكة مزينة بزينة شهر رمضان، وهز الأخير برأسه موافقا. كان ذلك «الانتصار الثاني» بعد الخروج من الضاحية.

سأل أخي الذي يقود السيارة: «والآن، إلى أين؟»، وكان الجواب: «إلى المجهول».

وكان المطعم مزدحما بالنازحين، حتى شكا النادل من ضغط العمل وطول الدوام، فرد عليه المدير: «معليش بعوضلك ياها». رغم التعب الذي بدا على العائلات النازحة، والطوابير التي تنتظر دورها إلى المراحيض، لكنها كانت قوية بصورة مفاجأة، «بعين الله»، رددت سيدة ستينية. ولم تكترث أخرى لثقل النزوح، المهم عندها «الله يحمي الشباب». فهذه العائلات الطيبة التي لم تغفل صلاة الصبح، في أسوأ ظروف إنسانية تمر بها، وانتظرت دورا على سجادة، تعرف جيدا أنها تدفع ضريبة احتضان المقاومة، وحماية ظهرها، وتؤمن أن الوقوف في وجه آلة القتل، التي «الله يهدها»، كما دعوا هو أمر مشرّف وعظيم.

  • «وقع الاختيار على البحر... الذي احتضن الكثير من النازحين» (مروان بو حيدر)
    «وقع الاختيار على البحر... الذي احتضن الكثير من النازحين» (مروان بو حيدر)

أخذنا قسطا من الراحة. وبينما أراقب العواجل على التلفاز، وقع نظري على البحر خارج النافذة. لقد طلع الصبح، ابستمت ابتسامة ساخرة، لأنني خططت كثيرا لمشاهدة شروق الشمس على البحر، والمشي على الكورنيش أنا ووحدتي على صوت الموج. وها قد تحقق الحلم رغما عني. غادرت المطعم من دون أن يقبل صاحبه أن أدفع له. ومشيت على الكورنيش لكن من دون أن ألقي حتى نظرة واحدة إلى البحر. ففي الجهة المقابلة كان المشهد أعظم بكثير. عائلات تفترش الأرض. وسيدة تجلس على المقعد وقد حملت معها ثياب وفرش وأغطية، وقد غطت رأسها ببطانية بخجل. وأطفال يركضون بثياب النوم، ونساء مكتوفي الأيدي ينتظرون فرج الله. لم أسمع صوت فيروز صباحا، ولا صوت الموج. بل سمعت أنين الناس الذي لم يصدر، وصبرهم على قدر التهجير وغريزة البقاء التي تطغى على كل شيء. رغبت في الاقتراب منهم واحتضانهم، وسؤالهم إن كان بإمكاني مساعدتهم بشيء، ثم قررت، وأنا التي لا حيلة لها، عدم استباحة ما تبقى من خصوصيتهم المنتهكة.

العودة إلى الضاحية؟

خليط من المشاعر السلبية حملها البحر إليّ، ورغبة جامحة بالبكاء عصفت بي، لكن، «لا، ليس هذا وقت البكاء يجب أن نبقى أقوياء ودوصابرين ومحتسبين في هذا الامتحان الصعب، وسننال أجرنا عليه»، ذكّرت نفسي. مرة ثانية، السؤال المتعب نفسه: «والآن، إلى أين؟». وكان السؤال هذه المرة أصعب مما كان عليه في أول مرة، بعدما نفذت طاقتنا. كانت الساعة السابعة صباحا وبطارية الهاتف تنازع هي الأخرى. ربما كانت المرة الأولى التي اختبر فيها المعنى الحقيقي للتشرد. أغمضت عيناي، ولذت إلى ملجأي الوحيد، مرددة الدعاء الذي حفظته عن شهيدنا الأسمى السيد حسن نصر الله: «يا من إذا تضايقت الأمور فتح لها بابا لم تذهب إليه الأوهام، صل على محل وآل محمد، وافتح لأموري المتضايقة بابا لا يذهب إليه وهم»، وفعلا، يد الله مدت إليّ القوة والطمأنينة.

كان الانتظار في المنزل حتى تقع الضربة سوريالياً

انقسمت العائلة بين مؤيد للعودة إلى الضاحية ريثما نجد مأوى ومن فضّل البقاء على البحر. لم يرضَ إخوتي بسهولة أن يعودوا إلى ذات المكان الذي هربنا منه بشق الأنفس قبل ساعات وقبل أن يتغير أي شيء. كانوا على حق، الحرب لم تنته وإنما بدأت للتو، ولو أن الضربات توقفت حتى ذاك الوقت؟ لكنني في ذلك الوقت فضّلت الموت على التشرد. واخترت ساعة نوم أستجمع فيها قواي وأشحن هاتفي لأرسم خارطة طريق بعدها، ولو كانت هذه الساعة مطعّمة بالخوف والقلق. وهذا ما حصل. على عكس طريق المغادرة، كان طريق العودة إلى الضاحية يسيرا، لا تقطعه سوى بعض الدراجات النارية، والمحال مقفلة بالكامل.

لشدة تعبنا تجاهلنا كل ذلك، وهرعنا إلى النوم. مهمّة صعبة أن يستريح الدماغ بعدما كل مر به، ويركن لأخذ قسط من الراحة بينما صوت المسيرات ينخر الآذان. بعد ساعة من النوم، استيقظت على حديث العائلة والتحدي الجديد، يجب إيجاد منزل للإيجار في منطقة آمنة لأنه من الصعب قضاء ليلة ثانية هناك.

لا بيوت للإيجار

عشرات الأرقام بين يدي لأصحاب منازل ومكاتب تأجير الشقق وسماسرة، لكن عبثا أتصل. أغلب الخطوط مقفلة، أو كتبت على «الستايتس» معتذرة: «لا يوجد بيوت للإيجار». أما العروضات المتاحة فأقل ما يقال عنها «مجنونة»، آلاف الدولارات لإيجار منزل من غرفتين أو ثلاثة غرف، مع شروط دفع 3 و6 أشهر سلفا وأحيانا سنة، عدا عن عمولة المكتب والتأمين. بعد كل محاولة فاشلة، ألعن الدولة التي تتركنا لمصيرنا، وأبناء الدولة التي تنهش بلحم عائلات تعيش ظروف قاسية. كلما شعرت بالتعجيز، تغفو عيناي للحظات، ثم أصحو فجأة على إنذار داخلي: «واصلي البحث والاتصال»، لكن النتيجة واحدة. إخوتي في الغرفة الثانية، يفعلون ذلك، حتى غدا منزلنا مثل السنترال. وبينما نبحث، وردت خرائط إنذار في برج البراجنة، تلاها إطلاق النار كثيف في الهواء لإجلاء الناس، لكن مرة جديدة: «إلى أين؟» لبسنا مجددا، وبين أخذ ورد لاحظنا أن الوقت قد تأخر، والخروج من المنزل بات أكثر خطورة من البقاء فيه.

كان الانتظار في المنزل حتى تقع الضربة سورياليا، وأكثر قساوة من أي شيء عشته طوال حياتي، رغم معرفتي أننا لسنا في المبنى المستهدف وأننا بعيدين كفاية حتى لا ينكسر الزجاج حتى. في خضم الدوامة، وردنا اتصال «الفرج»، حظينا بمنزل في عاليه بسعر قريب إلى المنطق. فغادرنا بمشاعر متناقضة، بين حلاوة «الظفر» بمنزل آمن، وبشاعة ترك المنزل وبدء مسلسل التهجير غير معروف كم سيطول، لكن يقينا سينتهي بنصر مبين وعودة مشرّفة إلى منزلنا.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك