
معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» ليست مجرد شعار سياسي ظهر في سياق الخطاب العام في لبنان، بل هي خلاصة تجربة تاريخية طويلة تشكلت عبر عقود من المواجهة مع العدوان الإسرائيلي. وهذه المعادلة توصيف واقعي لطبيعة المجتمع اللبناني وطبيعة الصراع الذي فُرض عليه منذ نشوء كيان العدو. لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وبنيته السياسية وتاريخه الحديث، وجد نفسه في مواجهة عدو يمتلك قدرات عسكرية هائلة ويستند إلى دعم دولي واسع، الأمر الذي جعل الدفاع عنه مسألة تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية التقليدية لتشمل المجتمع بأسره.
أهمية تجدد النقاش ترتبط بالبيان الذي أصدره الجيش حول ما جرى بالأمس في النبي شيت. وجاء فيه أن وحدات الجيش رصدت أربع طوافات إسرائيلية معادية فوق المنطقة الواقعة على الحدود اللبنانية السورية، وتم إنزال قوة معادية في محيط المنطقة بالتزامن مع قصف جوي واسع النطاق للقرى المجاورة. وقد استدعى ذلك استنفاراً فورياً للوحدات العسكرية اللبنانية التي أطلقت قنابل مضيئة لكشف موقع الإنزال، فيما كانت القوة المعادية قد بدأت بالتحرك والاختفاء في المنطقة.
-
من داخل ساحة النبي شيت التي تعرضت لقصف اسرائيلي مركز
ويشير البيان إلى أن العملية لم تكن مجرد خرق جوي عابر، بل عملية عسكرية كاملة تخللتها أعمال قصف وتمشيط، أعقبها انتقال القوة المعادية من موقع الإنزال، حيث اندلع تبادل لإطلاق النار بينها وبين أبناء المنطقة. وقد استمرت المواجهة حتى نحو الساعة الثالثة فجراً، وأسفرت عن استشهاد ثلاثة عسكريين وعدد من المواطنين نتيجة القصف المعادي العنيف الذي رافق العملية.
هذا المشهد الميداني، كما تصفه قيادة الجيش، يقدم صورة واضحة عن طبيعة المواجهة في لبنان: الجيش يتصدى عسكرياً، والسكان المحليون يواجهون الاعتداء، فيما يتحرك المجتمع بأسره في حالة دفاع عن الأرض.
الشرعية الوطنية للجيش لا تنفصل عن شرعية الحق في المقاومة، وكل مواجهة مع العدو تثبت أن المعادلة واقعاً لا مجرد نظرية.
قراءة الحدث تكشف بوضوح أن معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» واقعٌ ميدانياً يفرض نفسه في لحظات الخطر. فعندما تتعرض منطقة لبنانية لعملية إنزال عسكرية معادية، فإن أول من يتحرك هو الجيش، باعتباره المؤسسة السيادية التي تتولى الدفاع عن الحدود. لكن في الوقت نفسه، لا يقف المجتمع المحلي موقف المتفرج، بل يتحول إلى جزء من عملية الدفاع عن الأرض. وهذا ما ظهر بوضوح في البيان الذي تحدث عن اشتباك أبناء المنطقة مع القوة المعادية بعد انتقالها إلى النبي شيت.
إن هذا التفاعل بين الجيش والمجتمع ليس أمراً استثنائياً في تاريخ لبنان الحديث. فمنذ الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978 ثم اجتياح عام 1982، ظهرت بوضوح حقيقة أن المجتمع اللبناني نفسه أصبح جزءاً من معادلة الدفاع الوطني. ففي ظل اختلال ميزان القوى بين لبنان وإسرائيل، لم يكن ممكناً الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية وحدها، بل تشكلت عبر الزمن منظومة دفاعية مركبة تجمع بين الجيش، الذي يمثل الدولة، وبين المجتمع الذي يتحمل عبء المواجهة اليومية، وبين قوى المقاومة التي نشأت في سياق هذا الصراع الطويل.
ومن هنا اكتسبت معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» معناها الحقيقي. فهي ليست تعبيراً عن ازدواجية في السلطة، كما يروج بعض الخطاب السياسي، بل وصف لواقع نشأ نتيجة ظروف تاريخية محددة. فلبنان بلد صغير من حيث المساحة والإمكانات العسكرية، لكنه يواجه دولة تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً. وفي مثل هذا السياق، يصبح الدفاع الوطني مسألة تتعلق بقدرة المجتمع كله على الصمود، لا بمجرد توازنات عسكرية تقليدية.
-
أثر القصف الإسرائيلي على قرية النبي شيت (من الويب)
وقد كان الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله من أبرز من عبّروا عن هذه الفكرة في خطاباتهم السياسية. فقد أكد في أكثر من مناسبة أن قوة لبنان في مواجهة إسرائيل لا تكمن في عنصر واحد، بل في تضافر عناصر متعددة. وكان يقول إن الجيش هو العمود الفقري للدولة، وإن الشعب هو البيئة التي تحتضن المقاومة وتحميها، وقد شدد في خطاباته بعد حرب تموز 2006 على أن الانتصار لم يكن نتيجة قوة عسكرية فحسب، بل نتيجة صمود مجتمع كامل. ولا يختلف موقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عن هذا التصور. فهو أكد أن هذه المعادلة ليست مشروعاً حزبياً، بل إطاراً وطنياً للدفاع عن لبنان. ويرى قاسم أن قوة هذه المعادلة تكمن في أنها تجمع بين الشرعية الوطنية التي يمثلها الجيش، والعمق الشعبي الذي يوفره المجتمع، والقدرة الردعية التي تشكلها المقاومة. وبذلك تصبح المواجهة مع إسرائيل مواجهة مجتمع كامل، لا مجرد مواجهة عسكرية تقليدية.
إن استشهاد ثلاثة عسكريين وعدد من المواطنين في العملية الأخيرة يُذَكِّر اللبنانيين بأن المواجهة مع إسرائيل ليست مسألة نظرية أو سجالاً سياسياً
إن ما حدث في البقاع يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فالبيان العسكري نفسه يشير إلى تفاعل ثلاثة مستويات من الفعل الدفاعي: الجيش الذي رصد العملية وتحرك فوراً لكشف موقع الإنزال، والمجتمع المحلي الذي اشتبك مع القوة المعادية، والحالة العامة من الاستنفار التي رافقت الحدث في المنطقة. وهذه الصورة تختصر جوهر المعادلة التي يتحدث عنها الخطاب السياسي اللبناني منذ سنوات.
وفي كل مرة يعود النقاش بقوة حول طبيعة الاستراتيجية الدفاعية للبنان، وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» في إطار هذه الاستراتيجية. غير أن هذه المعادلة لا يمكن فهمها بمعزل عن طبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه. فلبنان ليس دولة مركزية تقليدية، بل مجتمع متنوع يقوم على توازنات دقيقة بين الطوائف والمناطق. فالجيش يمثل في الوعي اللبناني المؤسسة الوطنية الجامعة التي تتجاوز الانقسامات الطائفية. والشعب يمثل المجتمع المتعدد الذي يشكل أساس الدولة. أما المقاومة فهي التعبير عن إرادة الدفاع عن الأرض في مواجهة الاحتلال والاعتداءات. وعندما تتكامل هذه العناصر الثلاثة، يصبح لبنان قادراً على مواجهة التحديات التي يفرضها الصراع مع إسرائيل.
إن استشهاد ثلاثة عسكريين وعدد من المواطنين في العملية الأخيرة يُذَكِّر اللبنانيين بأن المواجهة مع إسرائيل ليست مسألة نظرية أو سجالاً سياسياً، بل واقعاً ملموساً يدفع فيه الناس ثمن الدفاع عن بلادهم. فهؤلاء العسكريون الذين سقطوا أثناء أداء واجبهم يمثلون رمزاً للدور الذي يلعبه الجيش في حماية الوطن. كما أن المواطنين الذين سقطوا نتيجة القصف يذكرون بأن المجتمع اللبناني نفسه يقف في الخط الأمامي لهذه المواجهة.
إن بيان قيادة الجيش حول العملية في بعلبك يقدم مثالاً حياً على طبيعة هذا التحدي. فهو يصف مواجهة حقيقية بين قوة عسكرية معادية وبين الجيش وأبناء المنطقة، ويكشف أن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يكون مهمة مؤسسة واحدة فقط. ومن هنا تتجدد أهمية النقاش حول المعادلة التي شكلت خلال السنوات الماضية إطاراً لفهم طبيعة المواجهة مع إسرائيل.

