الجنوب اللبناني تحت النار: استهداف المجتمع ومعادلة الصمود التي لم تتبدل

منذ الأسابيع الأولى من آذار 2026، لم يعد التصعيد الإسرائيلي في لبنان يُقرأ كجولة عسكرية تقليدية، بل كامتداد واضح لنمط حرب يستهدف المجتمع نفسه، في خطة عسكرية معتادة كانت إسرائيل تعتمدها في حروبها السابقة على لبنان وصولاً إلى حرب اليوم. فالمعطيات الميدانية، مقرونةً بالتصريحات السياسية الإسرائيلية، تكشف أن الهدف يتجاوز المواجهة مع قوة المقاومة إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية التي تحتضنها.
عدد الشهداء في لبنان منذ بداية العدوان تجاوز 1345 شهيدًا من المدنيين، منهم 51 شهيداً من المسعفين والطواقم الطبيّة بعد استهداف مباشر لمراكز وسيارات الإسعاف، ونسبة 10.2% منهم أطفال، بينما سُجِّلت إصابة 4040 شخصًا بجروح نتيجة الاعتداءات، حسب ما أعلنته وزارة الصحة في تقريرٍ لها في 2 نيسان. فيما تخطّى عدد النازحين المليون و45 ألف شخص، في واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ البلاد.
هذه الأرقام، إلى جانب حجم التدمير الواسع والهمجي في القرى الحدودية للجنوب اللبناني، تعكس انتقالاً واضحاً من استهداف «القدرات العسكرية» المتزايد نحو استهداف الشروط الاجتماعية للحياة ذاتها.
تصريحات معلنة: تفريغ الجنوب وإعادة رسمه
اللافت أن هذا التوجه لم يعد ضمنياً. فقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن نيّته توسيع ما يُسمّى «المنطقة العازلة» داخل الأراضي اللبنانية، مشيراً إلى أن الخطوة تهدف إلى «تعزيز الوضع الأمني على امتداد الحدود الشمالية»، وذلك في مؤتمر صحفي له من مقر القيادة الشمالية في التاسع عشر من شهر آذار. فضلاً عن تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بأن «الجيش سيعمل على تدمير جميع المنازل في القرى الحدودية»، وأن «نحو 600 ألف لبناني لن يُسمح لهم بالعودة إلى جنوب الليطاني».
الهدف يتجاوز المواجهة العسكرية إلى ضرب الشروط الاجتماعية للحياة نفسها
هذه التصريحات، حين تُقرأ مع أوامر الإخلاء الجماعي التي تُصدر يوميًا للجنوب والضاحية والبقاع، وتدمير القرى تدميراً شاملاً، إضافةً إلى استهداف المدنيين، والطواقم الإعلاميّة والصحيّة، فضلاً عن القوات الدولية، تشير إلى أن الهدف الأساسي لم يعد مقتصراً على إضعاف القدرات العسكرية للمقاومة، بل تعدّاه ليشمل ضرب البنيّة الاجتماعية التي تُنتج هذه القدرات وتعيد تكوينها، في سياسة تقوم على خلق فراغ بشري واسع، وإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية بالقوة، تحت ذرائع أمنية «كحفظ أمن سكان الشمال».
-
تحدي الأهالي لجنود الاحتلال في قرية مارون الراس المدمرة بعد حرب 66 يوماً عام 2024 (الأخبار)
الميدان يعاكس الأهداف
إلّا أن الوقائع الميدانية لا تسير بالاتجاه نفسه. فرغم تفوّق التكنولوجيا الأميركية-الإسرائيلية والإمكانيات العسكرية التي تمتلكها، تشير البيانات التي تصدر يوميًا عن الإعلام الحربي للمقاومة، إلى صعوبة تثبيت السيطرة الإسرائيلية البرية داخل الجنوب، في أكثر من 1000 بيان و1100 عملية للمقاومة دفاعًا عن لبنان وشعبه منذ أوائل شهر آذار، حيث تفرض طبيعة الأرض وأنماط القتال مقاومة معقدة تحدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على التقدم والتمركز، ضمن مواجهات ضارية واشتباكات نارية من مسافة صفر، فضلاً عن الكمائن المحكمة من قبل المقاومة في بلدات حدودية مثل بيت ليف والخيام والطيبة والبياضة وغيرها، إضافةً إلى تدمير لدبابات الميركافا الإسرائيلية التي تخطى عدد المدمرة أو المصابة منها 134 دبابة حتى تاريخ الواحد والثلاثين من شهر آذار.
هذه المعطيات تعيد إنتاج مشهد مألوف كما في الحروب الماضية: تفوق عسكري يقابله عجز عن ترجمة هذا التفوق إلى إنجاز ميداني حاسم وتمركز دائم.
استهداف المجتمع: الاقتصاد والبيئة أدوات ضغط طويلة الأمد
ضمن هذا السياق، يتضح أن القرى الجنوبية لم تعد مجرد مسرح للعمليات، بل هدفاً بحد ذاته. فالتدمير المنهجي للمنازل والبنية التحتية، وقطع سبل العيش، عبر استهداف البيئة الزراعية والاقتصادية، والجسور الحيويّة التي تشكل الرابطة بين قطاعات الجنوب الثلاثة بحيث يتم عزل القطاع الشرقي عن الأوسط عن الغربي، بما يقسّم الجنوب إلى مربعات معزولة عن بعضها البعض وعن شمال الليطاني، هي أدوات تصب في اتجاه واحد: تفكيك البنيّة الاجتماعية.
حيث يُوضَع هدف تفكيك النسيج الاجتماعي، وتقويض العلاقات اليومية التي تشكل رأس المال الاجتماعي، وتحويل السكان إلى أفرادٍ معزولين، في بيئات غير متجانسة، وإضعاف قدرتهم على استرجاع مصالحهم وحياتهم في عملية أشبه ما تكون بأداة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية والاجتماعية، عبر خلق مناطق فراغ بشري، وهو مفهوم ناقشته دراسات سوسيولوجية كثيرة في سياق بحثها ديناميات الحروب غير المتكافئة.
كما تغطي إسرائيل على مخططاتها تلك، بتعبيرات عسكرية وأمنية، مثل «المناطق العازلة»، أو «الأحزمة الأمنية»، لتسهيل ابتلاعها ضمن سرديّة حماية أمن المستوطنين.
غير أن الحالة اللبنانية خصوصًا الجنوبية منها، أظهرت قدرة كبيرة على التكيّف، حيث يُعاد إنتاج النشاط الاقتصادي المحلي تدريجياً بعد كل اعتداء صارخ عليها ومحاولة لطمسها، وهو ما يشهد عليه التاريخ حيث لم يتحول في أي مرحلة إلى اقتلاع دائم. فبعد حرب 2006 وعدوان 2024، تكرّرت العودة رغم الدمار. ونهض أصحاب الأرض بقراهم ومصالحهم من تحت الركام في صورةٍ صلبة تعكس عمق علاقة الجنوبي بأرضه خلال أسابيعٍ معدودة.
اليوم، ورغم الحديث الإسرائيلي عن منع مئات الآلاف من العودة، لا توجد مؤشرات واقعية على قدرة فرض هذا الواقع بشكل دائم، ما يجعل النزوح أداة ضغط مؤقتة أكثر منه نتيجة نهائية.
-
من قرية طير حرفا المدمرة في حرب 66 يوماً عام 2024
بين الماضي والمستقبل: معادلة لم تتغير
تكشف قراءة المسار التاريخي أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لم تنجح في تحويل هذا التفوق إلى إنجاز سياسي أو اجتماعي دائم في لبنان. حيث إن كل جولة صراع أظهرت معادلة معاكسة: كلما تصاعد الضغط العسكري، ازداد التماسك الاجتماعي في البيئة المستهدفة. ما يجعل من الحرب على المجتمع سلاحاً محدود الفعالية، بل وربما عكسياً في نتائجه على المدى الطويل.
وهذا ما تؤكد عليه التصريحات اليوميّة لأفراد تلك البيئة ممن يفترشون الطرقات ويتخذون الخيام أوطانًا مؤقتة بأنهم «متمسكين بخيار المقاومة، وبأرضهم، مأمنين ان النصر حليفهم وأنهم إلى الجنوب لراجعون»، مثنين على أن «ما يعانوه اليوم من نزوحٍ وتحديات معيشية صعبة ما هو إلّا القليل أمام تضحيات المجاهدين المدافعين عن أرضهم وبيوتهم وثرواتهم».
النزوح يبدو أداة ضغط مؤقتة لا نتيجة نهائية قابلة للفرض الدائم
وفي هذا الإطار، فإن تدمير المنازل والبنية التحتية، كما يجري اليوم، ليس جديداً، بل امتداد لعقيدة عسكرية قائمة على الضغط على المدنيين. إلّا أن هذا النهج، رغم كلفته الإنسانية العالية، لم يحقق هدفه الاستراتيجي في أي من الحروب السابقة، فالقرى التي دُمّرت أُعيد بناؤها، والمجتمع الذي استُهدف أعاد تنظيم نفسه، في نمط تكرر من عام 2000 إلى 2006 إلى 2024، ويتكرر اليوم.
وما يجري في لبنان اليوم هو محاولة واضحة لإعادة تشكيل المجتمع عبر أدوات الحرب: التهجير، التدمير، الضغط الاقتصادي، والحرب النفسية. غير أن الوقائع مدعومة بالتجربة التاريخية، تشير إلى نتيجة مختلفة، باستمرار قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه، وفشل محاولات كسره رغم الخسارات المادية والبشرية الكبيرة.
وبينما تُعلن الأهداف بوضوح غير مسبوق هذه المرة، يبقى المسار ذاته، حرب على المجتمع تقابلها دينامية صمود تعيد تثبيت الإنسان في أرضه، وتحوّل أطماع العدو إلى عامل تماسك أهل الأرض أكثر.

