
أركان السلطة في لبنان، أحزابهم السياسية، النخب الذين يدورون فيهم وفي فلكهم وفي داخل الدولة العميقة لديهم، جميعهم تُمثل الواقعية محور تفسيرهم لعلاقة الدولة مع الخارج كذلك لعلاقة القوى السياسية فيما بينها. والواقعية تفترض ان تحكم القوة لغة السلوك اي ان من يمتلك مفاتيح القوة هو من يحدد المسارات السياسية في الداخل والخارج.
انطلاقاً من هذا المبدأ الذي يحكم تصرفاتهم منذ تأسيس الكيان اللبناني يُطرح السؤال الذي يتناسب وواقع هذا البلد: كيف تتصرف الدولة الضعيفة وفق النظرة والسلوك الواقعيين اتجاه القضايا السياسية المصيرية وخاصة ضد أعداء وخصوم هذه الدولة؟
أهم علماء السياسة الواقعيين منذ هانز مورغنثاو حتى جون ميرشايمر يُجمعون على حزمة من القواعد والسياسات الحاكمة لمنهج وسلوك هذه الدولة الضعيفة في مواجه اعدائها بالاتي: تبدأ بـ«البقاء» كهدف اعلى، وتمر بخلق توازنات ضد العدو، إقامة تحالفات إقليمية مقابلة، الاستفادة من تناقضات الدول الكبرى، استعمال أدوات منخفضة الكلفة عالية التأثير، استخدام تكتيكات غير تقليدية، خلق كلفة غير محتملة للعدو، خلق شك دائم لدى العدو، تجنب الارتهان الكامل لقوة واحدة، تطوير قدرات أمنية نوعية، استنزاف الخصم، استخدام الوقت كحليف أقوى من السلاح.
كأن هذه الدولة تخشى من عناصر قوتها أكثر مما تخشى من عدوها
كل هذ القواعد البديهيات لا يمارسها رؤساء الطبقة السياسية في لبنان اتجاه التهديدات والحرب الاسرائيلية على لبنان كما أنهم يمنعون احداً من ممارستها، كأن هذه الدولة تخشى من عناصر قوتها أكثر مما تخشى من عدوها رغم أنهم من تلامذة المدرسة الواقعية في السياسة.
هذه الظاهرة ليست لبنانية خالصة في تاريخ الدول، فقد تكررت لحظة الخوف من الذات في سقوط فرنسا سنة 1940 بحيث لم يكن الانهيار بسبب الضعف العسكري فحسب إنما نتيجة نخب سياسية اختارت التكيف مع الهزيمة بدل مواجهتها، في المقابل لم تولد شرعية شارل ديغول من المؤسسات الرسمية إنما من خلال سلوكه خارج صندوق الهزيمة والاستسلام.
لبنان دخل في ما يمكن تسميته «دبلوماسية الخوف»
في لبنان وفي اللحظة الأكثر دقة في تاريخها خلال حرب عدوانية ووجودية عليه انفصلت الدولة عن أدوات قوتها الفعلية، ودخلت في ما يمكن تسميته «دبلوماسية الخوف»، إذ خرجت القرارات من معادلات الصراع لصالح حسابات العقوبات، الضغوط الدولية، بقاء الطبقة الحاكمة، وبالتالي تحولت الدولة إلى وسيط بين الخارج الذي تمثله امريكا ومجتمعها بدل ان تكون ممثلاً له.
لبنان اليوم يقف عند هذا المفترق بين دولة تخشى ان تتحمل مسؤولية الصراع ومقاومة ميدانية تخوضه بالفعل، فهل ما زالت هذه الدولة فاعلاً لصالح الخير العام لشعبها أم أنها ساحة من ساحات الأمريكيين في المنطقة، أو، متى تصبحون دولة؟

