
في لحظة إقليمية دقيقة، يعود إلى الواجهة سؤال قديم بصيغة أكثر حدّة: ماذا يعني الحديث عن لبنان منزوع السلاح في بيئة لم تعرف يومًا توازنًا مستقرًا؟ والأهم، من يملك القدرة على تقديم «ضمانات» فعلية في منطقة تُدار أساسًا بمنطق القوة؟
النقاش هنا لا يتصل فقط بمسألة داخلية، بل ببنية الصراع مع إسرائيل، بوصفها قوة عسكرية متفوقة تمتلك تفوقًا جويًا وتكنولوجيًا واضحًا، فضلًا عن دعم أميركي ثابت لم يتبدّل عبر الإدارات. في هذا السياق، يصبح طرح نزع السلاح بمعزل عن معالجة الخلل في توازن القوى، أقرب إلى مقاربة نظرية لا تجد ما يسندها عمليًا.
التجارب القريبة لا تساعد كثيرًا على الاطمئنان إلى فكرة «الضمانات». في العراق، لم تمنع القرارات الدولية الغزو عام 2003، وفي ليبيا، لم يؤدِّ التخلي عن عناصر القوة إلى حماية الدولة من التفكك بعد 2011. هذه النماذج، على اختلافها، تعيد طرح سؤال بسيط: إلى أي مدى يمكن الركون إلى ضمانات لا تملك آليات إلزام واضحة؟
الضمانات بلا قوة ملزمة تبقى رهانًا نظريًا في منطقة تحكمها موازين القوة
في الحالة اللبنانية، يُطرح أحيانًا دور الولايات المتحدة كضامن محتمل. غير أن هذا الطرح يصطدم بحقيقة كون واشنطن طرفًا رئيسيًا في دعم إسرائيل، سياسيًا وعسكريًا، ما يجعل الحديث عن حياد كامل أمرًا إشكاليًا، أو على الأقل موضع نقاش مشروع.
غير أن هذه المقاربة، على أهميتها، تبقى ناقصة إذا لم تُقرأ ضمن إطار أوسع من علم الاجتماع، وتحديدًا في سياق نظرية الصراع. فهذه النظرية لا تنظر إلى القضايا السياسية بوصفها مسائل تقنية معزولة، بل باعتبارها تعبيرًا عن صراع مستمر بين قوى غير متكافئة تسعى إلى إعادة توزيع السلطة والموارد والشرعية.
من هذا المنظور، لا يعود النقاش حول السلاح في لبنان مسألة تنظيم أمني داخلي فحسب، بل يتحوّل إلى صراع على تعريف القوة نفسها: من يحتكرها؟ ومن يحدّد مشروعيتها؟ وفي أي سياق تُستخدم؟ وهنا، قد تتحوّل الدعوات إلى «حصر القوة» أو «تنظيمها» إلى آليات لإعادة توزيعها داخليًا، بما قد يؤدي—في ظل اختلال التوازن الخارجي—إلى إضعاف عناصر قائمة من دون إنتاج بدائل مكافئة لها.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الواقع اللبناني أفرز، عبر مسار طويل من الصراع، عناصر قوة فعلية، برزت بشكل خاص في سياق المواجهة مع إسرائيل. إلا أن الإشكالية لا تكمن في وجود هذه القوة بحد ذاته، بل في موقعها ضمن البنية السياسية، وكيفية مقاربتها على مستوى القرار الرسمي.
المشكلة ليست في امتلاك القوة بل في كيفية تعريفها وتوظيفها
هنا تحديدًا، تظهر إحدى مفارقات الحالة اللبنانية: إذ تبدو الإرادة السياسية، في محطات مفصلية، أقل ميلًا إلى استثمار عناصر القوة هذه ضمن رؤية سيادية متماسكة، وأكثر اتجاهًا نحو إدارتها بمنطق التسوية أو الاحتواء، تحت ضغط توازنات داخلية وخارجية متشابكة. وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف هذه القوة، لا انطلاقًا من دورها الوظيفي في حماية السيادة، بل من موقعها في الصراع على السلطة داخل النظام نفسه.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال محصورًا في «نزع السلاح» أو «الإبقاء عليه»، بل في كيفية إدماج عناصر القوة ضمن مشروع وطني واضح: هل تُستخدم لتعزيز موقع الدولة التفاوضي والسيادي، أم تُترك عرضة لإعادة تشكيلها وفق إملاءات خارجية وتقاطعات داخلية؟
في النهاية، تكشف هذه المقاربة أن الإشكالية اللبنانية لا تتعلق فقط بامتلاك القوة، بل بامتلاك الإرادة السياسية القادرة على تعريفها وتوظيفها. ففي نظام تحكمه موازين القوى، لا تكفي «الضمانات» ما لم تستند إلى قدرة فعلية على فرضها. وبين ما هو متاح من عناصر قوة، وما هو قائم من تردد في استثمارها، يتحدد موقع لبنان في معادلة الصراع—لا كحالة نظرية، بل كواقع مفتوح على احتمالات متناقضة.

