مذكرة «ضبط الخطاب» تشعل اعتراضاً تربوياً

ما إن صدرت مذكرة وزيرة التربية، ريما كرامي، المتعلقة بمنع الأساتذة والعاملين في القطاع التربوي من الخوض في الشأن السياسي، أو نشر ما يعتبر مسيئاً أو تحريضياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى توالت ردود الفعل في الأوساط التربوية، وتحرك عدد من الأساتذة لتوقيع عريضة اعتراضية الكترونية بدأت بالانتشار سريعاً.
أما المذكرة الإدارية الرقم 27/م/2026 فتنص على التزام العاملين في القطاع التربوي بالقوانين المرعية، ولا سيما المادة 15 من المرسوم الاشتراعي الرقم112 الصادر عام 1959 (قانون الموظفين)، وعدم إيراد عبارات مسيئة بحق المسؤولين أو الرموز العامة، تحت طائلة المساءلة.
غير أن هذه المذكرة قوبلت برفض واسع في الوسط التربوي والأكاديمي، إذ اعتبر الموقعون على العريضة أنها تشكل تقييداً غير مبرر لحرية الرأي والتعبير المكفولة دستورياً. وشددت العريضة على أن الاستناد إلى المادة 15 ليس سليما قانونيا ولا يبرر هذا التوسع في المنع، كون المادة لا تفرض حظراً مطلقاً، بل تنظّم حالات محددة للنشر والتعبير ضمن إطار قانوني واضح.
عريضة تربوية ترفض تقييد حرية التعبير والنشر
وبناءً عليه، طالبت العريضة بسحب المذكرة، واحترام حرية التعبير، وضمان عدم اتخاذ أي إجراءات تأديبية بحق الأساتذة، مع التشديد على مرجعية القضاء المختص كضامن لأي مساءلة أو نزاع محتمل.
بالتوازي، عبّر أساتذة عن خشيتهم من أن يؤدي هذا التوجه إلى تقليص الدور النقدي للاستاذ، وتحويله إلى ناقل معرفة محايد، في وقت يفترض فيه أن يكون شريكاً أساسياً في بناء وعي الطلاب وتنمية التفكير النقدي لديهم، لا سيما في بيئة تربوية تتداخل فيها الأسئلة الاجتماعية والسياسية مع العملية التعليمية.
وفي موقف لافت، وصفت الأستاذة في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية، عزة سليمان، المذكرة بأنها “سقطة تربوية”، لكونها صادرة عن وزيرة ذات خلفية تربوية يضاعف من خطورتها. وأشارت إلى أن الأساتذة كانوا ينتظرون موقفاً واضحاً يرفض تدخل الأجهزة الأمنية في قضية أكاديمية داخل كلية الحقوق تتعلق بتزوير علامات، إلا أن هذا الموقف لم يصدر.
وحذّرت سليمان من تجاهل المسار التربوي الحديث القائم على الحرية والوعي النقدي، معربة عن خشيتها من إمكان انزلاق الأمور نحو تقاطع أمني–إداري–قضائي داخل الحقل الأكاديمي، بما يهدد استقلاليته ويضعف من مناعته العلمية. وفي انتظار تبلور نتائج العريضة ومدى اتساع مفاعيلها داخل الوسط التربوي، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً حول ما إذا كانت هذه التحركات ستفتح مساراً اعتراضياً واسعاً، أم ان هذه المواجهة ستبقى في إطار تظاهرة إلكترونية محدودة لا تترجم إلى تغيير فعلي في مقاربة الوزارة؟

