
تغيّرت منطقة حرج بيروت كثيراً بعد العدوان الإسرائيلي، وتحولت من مكان يقصده الناس للمشي أو الاستجمام في كنف الطبيعة إلى مخيم للنازحين. عشرات الخيم نُصبت على امتداد الرصيف المحاذي للحرج، وبالاتجاهين، وصولاً إلى دوار شاتيلا. خيم ملونة من قماش، مظللة بالشوادر لتحميها من المطر، وتحتها «طبليات» خشبية تقيها شرّ الغرق، وخيم أخرى صنعت من الشوادر، تبدو أكبر حجماً وأكثر سعةً.
هنا تمارس العائلات النازحة طقوسها اليومية بشكل شبه طبيعي. سيدة تكنس أمام خيمتها، وأخرى تنشر غسيلها، ورجال يتحلقون حول طاولة ويشربون النرجيلة. وهناك، امرأة تلاحق أطفالها، متأسفة: «لا يمكن أن أحبسهم في الخيمة، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن أتركهم يسرحون في الشارع».
مع مرور الأيام، تكبر الخيم التي ظن ناصبوها أنها ستكون «مؤقتة»، وتحمل المزيد من أثاث المنازل. لا أحد بين العائلات التي قابلتها «الأخبار» توقع نزوحاً طويلاً في خيمة، جميعهم قصدوا طريق الطيونة لأنه، برأيهم، «آمن، والأقرب إلى الضاحية الجنوبية، وأقل زحمة من الكورنيش البحري». وعدد من العائلات خطرت لها فكرة المجيء إلى محيط الحرج لأنه حاضر في عقولهم منذ أيام السلم، «كنا نقصده دائماً للمشي أنا وزوجتي»، كما يقول أحدهم.
العيش في خيمة كان «مستهجناً»
وصلت أم أحمد إلى محيط الطيونة بعد رحلة نزوح طويلة ومتعبة، تروي «للأخبار» حكاية تشردها مع بدء القصف: «لم نعرف إلى أين نذهب، وصلنا إلى عين الرمانة وركنا السيارة، وتحولت السيارة إلى منزلنا، نتناول فيها طعامنا، وننام، إلى أن جاء أحدهم، بينما كنا نائمين، ووضع لنا على زجاج السيارة رسالة يطلب فيها أن نغادر بسرعة ونسحب سيارتنا من الشارع». وعند وصول العائلة إلى الطيونة، «سألنا جارنا: ما بكم؟»، وتقصد النازح في الخيمة التي صارت مجاورة لخيمتهم لاحقاً. فأجاب أبو أحمد: «مش عارفين وين نروح». وهنا اقترح الجار أن ينصبوا خيمة إلى جانب خيمتهم، و«كانت الفكرة مستهجنة في البداية، لكننا مع الوقت اعتدنا عليها».
ومع مرور الأيام، بدأ النازحون يتعرفون إلى بعضهم بعضاً، تقول شابة عشرينية إنها «كانت انطوائية قبل أن تسكن في الخيمة، لكن هنا لا يمكن الواحد أن يعيش وحده». وعندما تقع غارة في الضاحية، يهب النازحون من خيمهم وتعلو الصرخات: «ضربة»، ثم تبدأ فقرة التنبؤات بمكان الغارة، قبل أن يحسم أحدهم الجدل ويقرأ على هاتفه ما تتناقله المواقع الإخبارية عن مكان الغارة.
الوقت طويل في الخيم
في خيم النزوح، الوقت طويل جدّاً، كما ينقل النازحون. تطل ملاك برأسها كلما مر أحدهم من باب خيمتها، تشعر بالملل طوال النهار بينما يكون زوجها في العمل. الفتاة السورية تشعر بصعوبة في الاندماج مع العائلات النازحة، خصوصاً أنها تزوجت حديثاً، وانتقلت حديثاً إلى لبنان أيضاً بعد سقوط النظام السوري السابق. تفكر في رحلات التهجير التي عاشتها خلال عشرين سنة من عمرها، بين الحرب في سوريا وبعد سقوط النظام، وإبان الحرب الإسرائيلية في لبنان، وتقول متنهدة: «والله حاجتنا شنططة».
رغم صعوبة الحياة داخل الخيم، النازحون مستعدون للتحمل لوقت أطول مقابل النصر
وإلى جانب خيمته، يجلس علي على كرسي يراقب المارين، زوجته توجهت إلى منزلهم في حارة حريك للاستحمام وغسل الملابس، وتبدو عليه علامات الضجر، فـ«أنا غير معتاد على الجلوس من دون عمل، لكن مع بدء الحرب توقف عملي في الدهان»، كما يوضح. مع وصوله إلى الطيونة، ظل علي أسبوعاً ينام على الرصيف بينما تنام الزوجة والأطفال في السيارة، ثم حصل على خيمة واحدة، أخذتها العائلة، وراح علي ينام في السيارة، حتى وصلته الخيمة الثانية، فـ«صار لي مأوى»، يقول ممازحاً. يعز عليه أن ينتظر تقديم الوجبات لأطفاله قبل أن يفقد الأمل ويشتري بنفسه طعاماً لهم، أو أن تشكو زوجته من الطوابير لدخول مراحيض الحرج «غير النظيفة». العائلة، على حد تعبيره، «معتادة على العزّ، والعيش في منزل مرتب ذو حمامات نظيفة، والذهاب في نهاية كل أسبوع إلى المطاعم والمقاهي».
-
(تصوير: مروان بوحيدر)
المعنويات عالية جدّاً
ووسط صعوبة الحياة في الخيم، تبدو المعنويات عالية جدّاً بين النازحين، الذين يعربون عن استعدادهم للتحمل لوقت طويل مقابل نتائج مبشّرة: التحرير الكامل للأراضي ووقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار. صحيح أن قاسم - يعيش مع عائلته وعائلة أخته في خيمة - استأجر في الحرب الماضية منزلاً مفروشاً من طبقتين وكانت ظروفه المادية أفضل مما هي عليه الآن، لكنه يشعر في هذه الحرب أنه «مرتاح نفسياً أكثر». ويربط ذلك بمعنوياته العالية جراء «بطولات الشباب في الميدان».
ويؤكد: «لا يهمني مهما طالت الحرب، وساءت أوضاعنا، المهم بالنسبة إليّ أن ننتصر في نهاية المطاف». تتدخل شقيقته وتشرح كيف «بلغت القلوب الحناجر من استفزازات العدو بعد وقف إطلاق النار المزعوم، ولم نعد نحتمل سماع القصص التي تردنا من الجنوب، عن اغتيالات يومية لشبابنا بينما يمارسون حياتهم الطبيعية، أو تخيير العدو الشباب عبر اتصال هاتفي أن يموتوا وحدهم أو مع عائلاتهم».
خيمة الكتب وعدّة الرسم
بين الخيم التي تحمل حكايا ساكنيها وأوجاعهم، تعيش ريان عواد (21 عاماً) قصة نزوح استثنائية في خيمتها حيث نشرت الكتب. كلما نزلت إلى منزلها في حي ماضي تأتي بالمزيد من الكتب، بعضها اختارتها عن قصد مثل كتاب حول النظام في إيران، وبعضها الآخر حملتها بالصدفة، ثم وجدتها «ملائمة جداً لهذا الوقت». بين يديها كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، «يحكي عن نظرة الغرب الدونية للشرق، حتى أنه تطرق إلى الأسلحة التي تستخدم في هذه الحرب مثل طائرة الF15»، تشرح روان بإسهاب وبحماسة. تارة تقرأ سياسة، وتارة أخرى تقرأ طالبة الفنون عن تاريخ الفنانين وولادة الحركات الفنية.
خلف وسادتها، وضعت روان دفاتر لتسجيل مذكراتها، «أستخدمها للتفريغ النفسي، ولأراقب كيف يتطور تفكيري ومشاعري». وتتناثر داخل الخيمة الضيقة عدّة الرسم، «صحيح أن وضعية الجلوس هنا غير مريحة ومناسبة للرسم، لكن في جعبتي الكثير من الوجوه التي تتزاحم ولا أرتاح قبل أن أرسمها»، كما تقول. تواصل روان دروسها «أون لاين»، وتسمع تسجيلات صوتية عن الاكتئاب والحالات النفسية التي ترافق الأزمات. يزعجها كثيراً «عدم الاستقرار وعدم الأمان، والتفكير بأبسط الأمور مثل الدخول إلى الحمام الذي يحتاج إلى مجهود كبير». تمرّ شابة بلباس رياضي من أمامها، فتقطع روان حديثها ضاحكة، وتؤشر إليها: «هذه الشابة يومياً تركض هنا وتمر من أمام خيمتي وهي تضع السماعات في أذنيها»، ثم تصمت بعد أن تستدرك أن نزوحها الذي ظنته مؤقتاً قد طال فعلاً، وبدأت تشهد عادات يومية للحياة داخل الخيمة.

