
فاطمة نجدي ليست مجرد امرأة نازحة من الجنوب. في ملامحها الخمسينية يستقرّ تعب الحروب كما يستقرّ صمود القرى التي عاشت طويلاً على تماس مع الاحتلال. بثيابها الفضفاضة وحجابها المرتّب بعناية، تبدو كأنها تحمل جنوباً كاملاً أينما حلّت، لا باعتباره مكاناً تركته خلفها، بل هوية رفضت أن تتخلى عنها.
حين غادرت منزلها تحت وطأة العدوان، لم تحمل ثياباً وأوراقاً رسمية فقط، بل حملت بيتها معها. وضعت في حقيبة النزوح أوعية المونة التي صنعتها بيديها: الزعتر، الزيتون، الكشك، وسواها من مؤونة البيوت الجنوبية. وحملت أيضاً إرثاً آخر لا يوضع في الحقائب، بل في الذاكرة؛ حكايات الجدات والأمهات، ورائحة مواسم الزيتون، وأغاني الحصاد، وسهرات مواقد الحطب. بالنسبة إليها، لم تكن تلك الحكايات مجرد ذكريات، بل جزءاً من هوية قرى واجهت الاحتلال وحفظت حياتها عبر الرواية الشفهية، حيث تنبت في كل حكاية معنى جديد للصمود والانتماء إلى الأرض.
-
أعمال الكروشيه الخاصة بفاطمة نجدي (الأخبار)
في منزل النزوح، وجدت فاطمة في الكروشيه أكثر من هواية. تمسك بالإبرة والخيط لتنسج ما يشبه محاولة يومية لترميم ما هدمته الحرب. تقول إن هذه الحرفة علمتها «شيئاً من الصبر الذي تعلّمته نساء الجنوب». راحت تصنع قطعاً صغيرة بخيوط ملوّنة وتهديها إلى سكان المبنى، كأنها توزّع شيئاً من الألفة في مكان فرضته الحرب. والكروشيه، الذي ورثته عن والدتها وعلّمته لاحقاً لابنتها، أصبح خلال النزوح مساحة للتعلّم أيضاً، إذ طوّرت مهارتها عبر متابعة دروس على «يوتيوب».
حين غادرت منزلها تحت وطأة العدوان لم تحمل ثياباً وأوراقاً رسمية فقط بل حملت بيتها معها
وراء ابتسامتها الهادئة تختبئ رحلة نزوح طويلة. من جبل عامل إلى طيردبا، ثم صور وصيدا، حيث أمضت أياماً داخل السيارة، قبل أن تصل إلى بيروت ثم تستقر في الأوزاعي. وبين محطة وأخرى، خسرت ثلاثة منازل. ففي كل مرة كانت تستأجر منزلاً في إحدى البلدات الجنوبية، كان العدوان يطال المنطقة، ثم يمتد إلى المنزل الذي لجأت إليه.
خلال الهدنة، عادت لتتفقد منزلها الأساسي. كانت تعرف مسبقاً أنها ستجده مدمراً، ولم يخذلها الخراب. لكنها لم تعد خالية الوفاض. بين الركام، عثرت على زهرة كانت قد تركتها في مطبخ المنزل يوم اضطرت إلى المغادرة. وجدتها ما تزال تقاوم، فاقتَلعتها بحنان ونقلتها إلى منزل النزوح. لم تكن الزهرة مجرد نبتة نجت من الدمار، بل قطعة من البيت وروح من المكان. تقول إن وجودها جعل منزل النزوح «أقل غربة». وكل صباح، حين تسقيها، تشعر كأنها تسقي الجنوب نفسه وتحافظ على نبضه حياً رغم الحرب.
-
فاطمة نجدي تستعرض أعمال الكروشيه في منزلها (الأخبار)
لم تنتظر فاطمة أن يطرق الجيران بابها. بادرت هي إلى التعارف بطريقتها. طبخت «المجدّرة الجنوبية» ووزعتها على سكان المبنى. لم يكن الطبق مجرد وجبة، بل محاولة لاستعادة طقس من طقوس الحياة في قريتها، وجسر عبور من الغربة إلى الألفة. تعرف نفسها اليوم بأنها «الجارة الجنوبية الجديدة»، لكنها لا تخفي دهشتها من طبيعة الحياة في بيروت، حيث يندر التواصل بين الجيران. تقول إن الجيرة في الجنوب كانت امتداداً للعائلة، يتشاركون الأفراح والهموم ويسألون عن بعضهم بعضاً باستمرار.
اليوم، وبعد رحلة بحث طويلة، وجدت فاطمة منزلاً في بلدة معركة، ويعمل شقيقها على تجهيزه تمهيداً لعودتها. تقول: «قلبي صار يغلي من الشوق للجنوب، رغم إنو بعدها الحرب». تعرف أن العودة لا تعني نهاية الخوف، وأن احتمال النزوح مجدداً يبقى قائماً في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي، لكنها، كما فعلت منذ البداية، تختار أن تحمل الجنوب معها حتى وهي تعود إليه.

