«زهير مراد» والكاراكو الجزائري: وحي أم طمس هوية؟
أثار تصميم في مجموعة الكوتور من «زهير مراد» موجة انتقادات واسعة بعد اعتباره استنساخاً للكاراكو الجزائري من دون الاعتراف بأصوله الثقافية، ما أعاد فتح النقاش حول أخلاقيات الإلهام في الموضة العالمية.


أثار عرض المصمّم اللبناني العالمي «زهير مراد» لمجموعة الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والثقافية، ولا سيما في الجزائر، بعد اتهامه باستنساخ الكاراكو العاصمي من دون الإشارة الصريحة إلى جذوره الثقافية الجزائرية. وقد تحوّل هذا الجدل من نقاش جمالي إلى قضية تتعلّق بالهوية، والملكية الثقافية، وأخلاقيات الإلهام في صناعة الموضة العالمية.
الكاراكو: أكثر من لباس تقليدي
الكاراكو الجزائري، وبالأخص الكاراكو العاصمي، ليس مجرد زي احتفالي، بل يُعدّ رمزاً تاريخياً وثقافياً متجذّراً في ذاكرة مدينة الجزائر، ومرتبطاً بالحرفية النسوية المتوارثة داخل القصبة. يتميّز بقصّته المحكمة التي تنحت الجسد، وباستخدام أقمشة فاخرة كالقطيفة والحرير، إضافة إلى تطريزات تقليدية دقيقة مثل الفتلة والمجبود، وهي تقنيات تحمل حمولة رمزية وتاريخية تتجاوز البُعد الجمالي.
لهذا السبب، تتعامل دراسات الموضة التراثية مع الكاراكو بوصفه «نصاً ثقافياً بصرياً» لا يمكن فصله عن سياقه الجغرافي والتاريخي.
جوهر الاتهام: من الإلهام إلى الطمس
يحمل التصميم الذي قدّمه زهير مراد تشابهاً واضحاً مع الكاراكو التقليدي من حيث البنية الهندسية للتصميم، والقصّة الضيّقة عند الخصر، والتطريز الذهبي الكثيف على قماش داكن. غير أن الإشكال لا يكمن في الاستلهام بحد ذاته، بل في غياب الإحالة الصريحة إلى الأصل الجزائري.
ففي معايير الموضة العالمية، يُنظر إلى الإلهام بوصفه فعل احترام عندما يكون مصحوباً بالتوثيق والاعتراف، بينما يتحوّل إلى استحواذ ثقافي (Cultural Appropriation) عندما يُفصل العنصر الجمالي عن سياقه، ويُعاد تقديمه كمنتج «عالمي» أو «متوسطي» بلا هوية.
مقارنة مع تصميم «إدين بلمهدي»
قارن صانعو محتوى وعدد من النقّاد تصميم «زهير مراد» مع قطعة صمّمها الجزائري إدين بلمهدي عام 2018، إذ اشتغل على الكاراكو بمنهج أقرب إلى البحث التاريخي، فقام بتحديث القصّة من دون المساس بروح القطعة أو إنكار أصلها.
يتماشى هذا النموذج مع ما تدعو إليه منصّات مثل Business of Fashion، التي تؤكد أن تحديث التراث يجب أن يتم عبر التعاون، والنسبة، والشفافية. في المقابل، اعتبر منتقدو زهير مراد أن تقديم الكاراكو تحت توصيفات فضفاضة مثل «إلهام متوسطي» أو «روح نيو-قديمة» يندرج ضمن ما تسميه صحافة الموضة بـ«الطمس الثقافي».
بين مؤيّد ومعارض…
تفاقم الجدل بعد قيام دار «زهير مراد» بتعطيل التعليقات على منشور «إنستغرام» الخاص بالقطعة المثيرة للجدل، وهو ما فُسّر على أنه محاولة لتجنّب النقاش بدل مواجهته. كما اجتاحت المنصّة موجة من التعليقات في تعبير رقمي عن رفض تجاهل الهوية الأصلية للتصميم.
في المقابل، دافع عدد من المتابعين ونقّاد الموضة عن زهير مراد، معتبرين أن ما قدّمه يندرج ضمن الإلهام الفني المشروع الذي دائماً ما شكّل جوهر الإبداع في عالم الأزياء الراقية. ويرى هؤلاء أن الموضة بطبيعتها حوار عابر للثقافات، وأن عدداً من المصمّمين العالميين استلهموا عبر التاريخ من أزياء تقليدية من دون الإشارة التفصيلية إلى كل مرجع ثقافي.
كما يشير المؤيدون إلى أن أسلوب زهير مراد معروف بتوظيف عناصر شرقية ومتوسطية بشكل عام، وأن القطعة محل الجدل، رغم تشابهها مع الكاراكو، تحمل بصمته الجمالية الخاصة من حيث القصّات، والتنفيذ، والسياق العام للمجموعة، ما يجعل اتهامه بالسرقة، في نظرهم، مبالغاً فيه ويختزل العملية الإبداعية المعقّدة في مقارنة شكلية فقط.
