التطريز... كيف يهدّئ الأعصاب؟
لم يعد التطريز مجرّد حرفة تراثية، بل يُنظر إليه اليوم كممارسة تأملية تساعد على تنظيم الجهاز العصبي، تخفيف التوتر، ومنح مساحة هادئة لمعالجة المشاعر.


يُنظر إلى التطريز التقليدي على أنه أكثر من مجرد حرفة تراثية أو عنصر جمالي في الملابس التقليدية. فبالنسبة إلى كثير من الممارسين، يمثل ممارسة يومية تساعد على تهدئة الجهاز العصبي، ومعالجة المشاعر، وإيجاد مساحة من السكون في أوقات القلق أو الأزمات.
تشير تقارير صحافية ودراسات حول تأثير الحرف اليدوية في الصحة النفسية إلى أن الأعمال اليدوية الدقيقة والمتكررة يمكن أن تعمل بطريقة مشابهة للتأمل الحركي.
فعملية إدخال الإبرة في القماش، وتكرار الغرز، والتركيز على الأنماط، تخلق إيقاعًا بطيئًا يساعد الجسم على الاسترخاء وتنظيم الاستجابة للتوتر.
التكرار كوسيلة لتنظيم الجهاز العصبي
أحد الأسباب الرئيسية لتأثير التطريز المهدئ هو طبيعة العمل المتكررة والدقيقة. هذا التكرار يخلق ما يصفه بعض الباحثين بـ«مساحات صغيرة من التوقع والانتظام»، وهي مساحات تمنح الدماغ إحساساً بالاستقرار والسيطرة.
في ظل القلق أو الضغوط النفسية، يمكن لمثل هذه الأنشطة أن تساعد الجهاز العصبي على الانتقال تدريجياً من حالة التوتر إلى حالة أكثر هدوءاً. ومع مرور الوقت، يصبح التطريز طقساً يومياً يوفّر لحظات من التركيز والسكينة.
لغة للتعبير عن المشاعر
لا يقتصر التطريز على الجانب التقني للحرفة، بل يُنظر إليه أيضاً كوسيلة رمزية للتعبير عن التجارب الشخصية والجماعية. فالأنماط والرموز التي تظهر في التطريز تحمل معاني مرتبطة بالمكان والذاكرة والهوية.
وبالنسبة إلى بعض الممارسين، يتحول التطريز إلى «لغة بديلة» يمكن عبرها معالجة مشاعر معقّدة أو تجارب يصعب التعبير عنها بالكلمات، بما في ذلك مشاعر الحزن أو القلق أو التجارب المرتبطة بالتهجير والصراع.
-
اللقاءات الجماعية للتطريز، سواء في البيوت أو ضمن مجموعات ومبادرات ثقافية، تخلق مساحة للمشاركة والدعم المتبادل
طقس هادئ للجسد والعقل
غالبًا ما يُمارس التطريز في أوقات هادئة من اليوم، حيث يصبح العمل بالإبرة والخيط تجربة حسية وتأملية في آن واحد. التركيز على الحركة البطيئة للإبرة والأنماط المتكررة يسمح للجسد بالدخول في حالة من الهدوء التدريجي.
ويصف بعض الممارسين هذه التجربة بأنها نوع من «الاستماع بالجسد»، حيث يصبح الانتباه موجهاً إلى الإيقاع البسيط للحركة والتنفس، ما يساعد على تخفيف التوتر وإبطاء وتيرة التفكير.
التراث كمصدر للثبات والمرونة
إلى جانب تأثيره النفسي، يلعب التطريز دوراً مهماً في تعزيز الشعور بالانتماء والاستمرارية الثقافية. فالحفاظ على هذه الحرفة وممارستها يربط الأفراد بتاريخهم وتراثهم، وهو ما يمكن أن يمنح شعوراً بالثبات والمرونة في مواجهة التحديات.
كما إن اللقاءات الجماعية للتطريز، سواء في البيوت أو ضمن مجموعات ومبادرات ثقافية، تخلق مساحة للمشاركة والدعم المتبادل. هذا البُعد الجماعي يمكن أن يسهم أيضاً في تخفيف الضغوط النفسية وتعزيز الشعور بالانتماء.
أكثر من حرفة
في النهاية، يظهر التطريز كأكثر من مجرد فن تقليدي. فهو ممارسة تجمع بين الإبداع والذاكرة والهدوء النفسي. ومن خلال الغرز الصغيرة المتكررة، يجد كثير من الممارسين مساحة للتأمل، وتنظيم المشاعر، وإعادة الاتصال بالجسد وبالتراث في آن واحد.
