«بيع الهويات» للذكاء الاصطناعي… فرصة دخل أم استغلال الرقمي؟
تزايد ظاهرة بيع البيانات والهويات لتدريب الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف من استغلال طويل الأمد، مقابل أرباح محدودة وفقدان السيطرة على الخصوصية


تواجه شركات الذكاء الاصطناعي تحدياً متزايداً في الحصول على بيانات عالية الجودة لتدريب نماذجها، مع تسارع وتيرة استهلاك هذه البيانات مقارنة بقدرة إنتاجها. وفي ظل هذا النقص، برزت سوق جديدة تقوم على شراء البيانات البشرية، تشمل الأصوات والصور والمكالمات وحتى الهويات الكاملة للأفراد.
ووفق تقارير حديثة، لم يعد الأمر يقتصر على بيانات بسيطة، بل باتت بعض الشركات تشتري الهوية الرقمية الكاملة للأشخاص، بما يشمل ملامح الوجه والصوت، لاستخدامها في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، في صفقات قد تبدو مغرية مادياً للبعض، لكنها تثير تساؤلات عميقة حول الخصوصية والحقوق.
سوق عالمية للبيانات البشرية
ظهرت منصات متخصصة تعمل كوسيط بين الأفراد وشركات الذكاء الاصطناعي، إذ تجمع البيانات البشرية وتعيد بيعها. وفي بعض الحالات، يحصل المستخدمون على مبالغ بسيطة مقابل مشاركة محتوى شخصي، مثل مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية.
وتختلف دوافع المشاركين في هذه السوق، إذ يرى البعض فيها فرصة للحصول على دخل إضافي، خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض، إذ قد تمثل مبالغ محدودة قيمة كبيرة مقارنة بالأجور المحلية.
من كسب سريع إلى «استعباد رقمي»
ورغم أن هذه العلاقة تبدو قائمة على التراضي، فإن خبراء يرون أنها تحمل ملامح «استعباد رقمي»، إذ تفقد البيانات المباعة أي قيود فعلية على استخدامها لاحقاً.
فبمجرد بيع الهوية أو جزء منها، قد تتم إعادة استخدامها بطرق متعددة، من دون قدرة حقيقية للمستخدم على التحكم أو الاعتراض، ما يفتح الباب أمام استغلال طويل الأمد من دون مقابل إضافي.
تجارة تصل إلى المشاهير
لم تقتصر هذه الظاهرة على المستخدمين العاديين، بل امتدت إلى شخصيات معروفة، حيث دخل بعض المشاهير في صفقات لبيع حقوق استخدام أصواتهم أو أشكالهم في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتتفاوت قيمة هذه الصفقات بشكل كبير، من مئات الدولارات لبعض الأفراد، إلى مبالغ ضخمة في حالات أخرى، ما يعكس اتساع هذه السوق وتنوعها.
الندم… القاسم المشترك
ورغم اختلاف الدوافع والعوائد، يشترك العديد من المشاركين في شعور لاحق بالندم، بعد ظهور محتوى يستخدم هوياتهم بطرق لم يتوقعوها أو لا يوافقون عليها.
وفي بعض الحالات، يظهر الأفراد في إعلانات أو مقاطع ترويجية لمنتجات أو أفكار لا تربطهم بها أي علاقة، ما يثير إشكاليات أخلاقية وقانونية حول حدود استخدام هذه البيانات.
الخصوصية في مواجهة الحاجة
تشير هذه الظاهرة إلى معادلة معقدة بين الحاجة الاقتصادية والخصوصية، إذ يضطر بعض الأفراد إلى التنازل عن بياناتهم مقابل دخل، حتى مع إدراكهم للمخاطر المحتملة.
وفي المقابل، يحذر خبراء من غياب الشفافية في كيفية استخدام هذه البيانات، إضافة إلى ضعف قدرة المستخدمين على التفاوض أو فرض شروط واضحة على الشركات.
شركات التكنولوجيا المستفيد الأكبر
ويرى مختصون أن الشركات الكبرى هي المستفيد الرئيسي من هذه المنظومة، إذ تحصل على بيانات قيمة يمكن استخدامها وتطويرها بشكل مستمر، بينما يحصل الأفراد على مقابل محدود لا يعكس القيمة الحقيقية لهذه البيانات على المدى الطويل.
مستقبل غامض للهوية الرقمية
تسلط هذه التطورات الضوء على تحديات جديدة تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ لم تعد البيانات مجرد معلومات، بل أصبحت أصولاً رقمية قابلة للبيع والاستثمار.
وفي ظل غياب أطر تنظيمية واضحة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمثل بيع الهوية فرصة اقتصادية جديدة، أم بداية مرحلة من فقدان السيطرة على الذات الرقمية؟
