كيف تحمل العطور رسائل حرب وسلام؟
العطر ليس مجرد رفاهية أو أداة تجميل، بل وسيلة تعبير تحمل في طياتها تاريخاً من السلطة والصراع والهوية.


هل كنتم تعلمون أن العطر ليس مجرد مستحضر جمالي للتعبير عن الذات والذوق الشخصي، بل أداة سياسية وثقافية عميقة الجذور؟
يرتبط العطر تاريخياً بالسلطة والحروب والهوية، وحتى بالمقاومة. ولأن الاستمتاع بالجمال في عالم مليء بالأزمات ليس بالأمر السهل، قد يتأثر اختيار العطر بالسياق السياسي.
العطر عبر التاريخ
على مر العصور والإمبراطوريات، استُخدم العطر وسيلةً للحماية أثناء الأوبئة، وكأداة دعائية خلال الحروب، وكعلامة خفية على المقاومة في الأوقات العصيبة، ورمزاً للهوية السياسية.
كان العطر يشير بصمت إلى القوة والانتماء، بدءاً من العبيد الذين كانوا يستخدمونه لتقليد النبلاء، وصولاً إلى المستهلكين الذين يشترون اليوم عطوراً تُسوَّق لدعم قضايا معينة.
مكوّنات العطور: دور أساسي
تأتي المكونات الأساسية لأي عطر من مناطق شكّلتها السياسة والصراعات على السلطة.
وقد اشتهر خشب العود والتوابل، التي غالباً ما تشكّل المكونات القاعدية الأطول ثباتاً في العطور، عبر «طريق التوابل» باعتبارها من أوائل السلع المتداولة بين البلدان.
ويُعد خشب العود الداكن والراتنجي من أثمن المواد، حتى لُقّب بـ«الذهب السائل»، وتبرز روائحه في عطور مثل Oud Wood من توم فورد، وOud for Greatness من Initio، و02 Oud من Gabar.
وعلى الرغم من أن منطقة غراس الفرنسية تُعد مهد صناعة العطور الأوروبية، فإن جذور هذه الصناعة تعود إلى قرون سابقة، ارتبطت بالثروات المستخرجة من المستعمرات والبلدان الأخرى.
وتصف المؤرخة ماتيلد كوكوال علاقات القوة في صناعة العطور بقولها: «منذ منتصف القرن التاسع عشر وصاعداً، بنت دور العطور الكبرى في غراس ثرواتها من خلال ترسيخ وجودها في المستعمرات: الجزائر، ومدغشقر، وجزر القمر، وغيانا الفرنسية».
وهكذا أصبحت التربة الخصبة للأراضي المحتلة جزءاً من الثروة التي بُنيت عليها إمبراطوريات العطور.
العطر: وسيلة لإثارة النفور أو فرض الحضور
إن صناعة العطور الأوروبية، لا سيما في مدينة غراس، قامت على استغلال موارد المستعمرات، إذ بُنيت ثروات كبيرة من خلال استخراج المواد الخام من دول خاضعة للهيمنة الاستعمارية، ما يعكس علاقة مباشرة بين العطر والسلطة الاقتصادية والسياسية.
وفي بعض الحالات، لم يكن العطر مجرد رمز، بل تحوّل إلى أداة فعلية في الصراع. فعلى سبيل المثال، خلال حروب الأفيون، استخدم الجنود الصينيون «قنابل ذات رائحة كريهة» لإرباك العدو.
كما اشتهر نابليون بونابرت بشغفه بعطر Eau de Cologne، وكان يطلب عشرات الزجاجات لاستخدامه الشخصي خلال حملاته، ولا تزال إحدى صيغ تركيبته المفضلة تُنتج حتى اليوم.
وخلال الثورة الفرنسية، أطلق الشباب المعارضون للثورة في باريس على أنفسهم اسم «مستخدمي المسك»، إذ كانوا يغطون أنفسهم بالمسك قبل مهاجمة الجاكوبين في الشوارع.
للعطر معانٍ إنسانية: من الحرب العالمية الثانية إلى غزة
قد يحمل العطر أيضاً معاني إنسانية عميقة. فعطر Miss Dior، على سبيل المثال، أُطلق عام 1947 تكريماً لكاثرين، شقيقة المصمم كريستيان ديور، التي كانت من أبطال المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد تعرّضت للاعتقال والتعذيب، ونجت من معسكرات الاعتقال، وعندما عادت إلى وطنها أمضت ساعات طويلة في العناية بحدائق العائلة في بروفانس، ليتحوّل العطر إلى وسيلة لتخليد الذاكرة والنضال.
-
عطر Miss Dior أُطلق تكريماً لشقيقة المصمم كريستيان ديور
ولغزة عطرها أيضاً؛ إذ ابتكرت شركة «روك بيرفيومز» (Rook Perfumes)، التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، عطر Faqqua Iris، وهو عطر رقيق برائحة السوسن البنفسجي مستوحى من الشعب الفلسطيني وحبه لهذه الزهرة، وتُخصّص جميع أرباحه لغزة.
-
عطر Faqqua Iris Rook Perfumes
أما العلامة التجارية للعطور النباتية «7 Virtues»، فتستمد مكوناتها من مشاريع التجارة العادلة في دول تعيد بناء نفسها بعد الحرب، وتتبرع بعائداتها لمبادرات إنسانية.
