«الفضائح المزيفة»... خطة تسويقية في عالم الجمال!
تلجأ علامات الجمال العالمية اليوم إلى «الجدل المصطنع» والحملات الصادمة كأداة تسويقية جديدة لزيادة التفاعل والانتشار في عصر تتحكم فيه الخوارزميات باهتمام الجمهور.


علامات الجمال العالمية تعتمد على «الفضائح المزيفة» والتسويق الصادم لجذب انتباه المستهلكين وسط منافسة شرسة وخوارزميات متغيرة.
في عصر تتحكم فيه خوارزميات «إنستغرام» و«تيك توك» بما يراه المستهلك، لم تعد الحملات الإعلانية التقليدية كافية لضمان الانتشار. وبينما تتراجع أهمية عدد المتابعين لصالح معدلات التفاعل والمشاركة، بدأت علامات التجميل العالمية في تبنّي أساليب تسويق غير مألوفة تقوم على «الجدل المصطنع» أو «الطُعم التسويقي»، وهي استراتيجية تعتمد على إثارة الصدمة أو الالتباس لدفع الجمهور إلى التفاعل والمشاركة.
وخلال الأشهر الأخيرة، لجأت علامات مثل Lancôme وColourpop وDieux وحتى Sephora إلى حملات أثارت الحيرة أو بدت وكأنها فضائح حقيقية، قبل أن يتضح لاحقاً أنها مجرد تكتيكات تسويقية محسوبة. وتعكس هذه الظاهرة تحوّلاً أعمق في صناعة الجمال، حيث أصبحت «فترات الانتباه القصيرة» العملة الأهم في الاقتصاد الرقمي الجديد.
اقتصاد الانتباه يغيّر قواعد اللعبة
في السابق، كانت العلامات التجارية تقيس نجاحها بعدد المشاهدات والمتابعين. أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بالكامل.
وتقول ميشيل سونغ، المديرة العليا للمحتوى ووسائل التواصل في Colourpop، إن عدد المتابعين لم يعد مؤشراً أساسياً للأداء، لأن التعليقات باتت مليئة بالحسابات الوهمية، بينما أصبحت المشاركات وعمليات الحفظ المؤشرات الأكثر قيمة.
هذا التحوّل دفع العلامات التجارية إلى البحث عن طرق تضمن «إيقاف التمرير» وسط سيل المحتوى اليومي. وهنا ظهر ما يُعرف بأسلوب bait-and-switch، أي خلق حالة درامية أو مثيرة للجدل، ثم الكشف لاحقاً عن الحقيقة التسويقية خلفها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك حملة دار Lancôme، التي أرسلت صناديق هدايا دعائية تحمل أسماء خاطئة إلى مشاهير ومؤثرين. وظهرت الممثلة إيزابيلا روسيليني، إحدى الوجوه التاريخية للعلامة، في فيديو وهي تفتح صندوقاً موجهاً إلى ديمي مور، متظاهرةً بالمفاجأة وقائلة إنها ستحتفظ به لنفسها بدلاً من إرساله.
-
إيزابيلا روسيليني تتسلم طرداً موجهاً إلى ديمي مور من «لانكوم»
وأثارت الحملة تفاعلاً واسعاً لأنها بدت تلقائية وعفوية، رغم أنها كانت جزءاً من خطة مدروسة.
وبحسب رامزي بيرنز، المدير العام لـLancôme في الولايات المتحدة، فإن الهدف لم يكن فقط زيادة المشاهدات، بل خلق محادثات حقيقية بين الجمهور، وهو ما بات أكثر أهمية من مجرد تحقيق أرقام مرتفعة للمشاهدات.
من الاعتذارات المزيفة إلى «الغضب التسويقي»
ذهبت علامة Colourpop أبعد من ذلك عندما نشرت بياناً يوحي بوجود أزمة أو اعتذار رسمي يتعلق بأحد منتجاتها.
وجاء المنشور بصيغة درامية مشابهة للبيانات التي تنشرها الشركات عادة أثناء الأزمات، ما دفع المتابعين إلى التفاعل بكثافة، قبل أن يتضح أن الأمر مجرد حملة للترويج لإعادة صياغة منتج جديد.
-
تعتمد هذه الأساليب على ما يُعرف بـ«الغضب التسويقي» أو Rage Bait
أما علامة Dieux للعناية بالبشرة، فقد استخدمت أسلوباً مختلفاً عبر إعلان ساخر يوحي بتحوّل الشركة إلى الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من الجدل العالمي الدائر حول تقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على صناعة الجمال والمؤثرين الرقميين.
وتعتمد هذه الأساليب على ما يُعرف بـ«الغضب التسويقي» أو Rage Bait، أي إثارة ردود فعل عاطفية قوية تدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة، وهو ما تفضله خوارزميات المنصات الرقمية. فكل مشاركة أو حفظ للمنشور يُعد إشارة إيجابية تعزّز انتشاره.
ووصفت كاتي مارتن، المديرة التنفيذية في وكالة Front Row Group، هذه الظاهرة بأنها نسخة عام 2026 من «تسويق حرب العصابات»، مؤكدة أن الإنترنت يعيش على الصدمة والدراما، وأن العلامات التجارية باتت تستغل ذلك بذكاء.
مخاطرة تهدّد الثقة والمصداقية
رغم النتائج السريعة التي تحققها هذه الحملات، فإنها تحمل مخاطر حقيقية. فالخط الفاصل بين «المفاجأة الممتعة» و«التلاعب بالمستهلك» قد يكون رفيعاً للغاية.
ويحذّر الخبراء من أن الإفراط في استخدام الاعتذارات المزيفة أو الأخبار الصادمة قد يضعف مصداقية العلامة التجارية عند وقوع أزمة حقيقية مستقبلاً. فإذا اعتاد الجمهور على الحملات الساخرة، فقد لا يأخذ أي اعتذار حقيقي على محمل الجد.
كما أن بعض الحملات قد تؤدي إلى ارتباك سلبي بدلاً من التفاعل الإيجابي. وهذا ما حدث مع علامة Schick عندما أوحت حملة دعائية مع المغني نيك جوناس بأنه سيطلق علامة عناية بالبشرة خاصة به، الأمر الذي تسبب بخيبة أمل لدى بعض المتابعين عندما تبيّن أن الأمر مجرد إعلان.
ومع ذلك، تؤكد العلامات التجارية أن النجاح يعتمد على الانسجام بين الحملة وهوية العلامة.
فقد نجحت Dieux، مثلاً، لأن مؤسِستها شارلوت باليرمينو معروفة بأسلوبها الصريح والشفاف، ما جعل الجمهور يتقبّل المزحة بوصفها تعليقاً ثقافياً أكثر من كونها خدعة تسويقية.
مستقبل التسويق في صناعة الجمال
تشير هذه الظاهرة إلى أن صناعة التجميل تدخل مرحلة جديدة تعتمد على «السرد القصصي اللحظي» بدلاً من الإعلانات المباشرة. فالعلامات لم تعد تبيع المنتجات فقط، بل تبيع لحظات قابلة للمشاركة والتفاعل.
كما أن ارتفاع تكاليف الإعلانات الرقمية وصعوبة الوصول العضوي إلى الجمهور يدفعان الشركات إلى البحث عن وسائل أكثر جرأة وأقل كلفة لتحقيق الانتشار. وفي سوق مشبعة بالمحتوى، يبدو أن الجدل، حتى لو كان مصطنعاً، أصبح أداة فعالة لجذب الانتباه.
لكن التحدي الحقيقي سيظل في الحفاظ على التوازن بين الترفيه والمصداقية. فالجمهور الرقمي قد يحب المفاجآت، لكنه أيضاً سريع في فقدان الثقة عندما يشعر بأنه خُدع.
وفي النهاية، تبدو «الفضائح المزيفة» انعكاساً واضحاً لعصر أصبحت فيه المنافسة على الانتباه أكثر شراسة من المنافسة على جودة المنتج نفسه، وهو تحوّل قد يعيد تشكيل مستقبل التسويق في عالم الجمال والموضة خلال السنوات المقبلة.
