تطابق أزياء الأم والابنة: من جان لانفان إلى «إنستغرام»!
من «لانفان» إلى إنستغرام... كيف تحولت موضة «الأم والابنة» من رمز للرفاهية إلى ترند عالمي يعكس تطور مفاهيم العائلة والأمومة؟


من بين الظواهر التي عادت مراراً إلى الواجهة على مدى أكثر من قرن، تبرز موضة «الأم والابنة»، أو ما يُعرف بـ Mommy-and-Me Fashion، حيث ترتدي الأمهات وبناتهن أزياء متطابقة أو متناسقة.
ورغم ارتباطها اليوم بوسائل التواصل الاجتماعي وصور المشاهير، فإن جذورها تعود إلى بدايات القرن العشرين، وتعكس تطور مفاهيم الأمومة والأنوثة والعائلة عبر العقود.
البدايات مع دار «لانفان»
يعود الفضل في إطلاق هذا الاتجاه إلى المصممة الفرنسية الشهيرة جان لانفان (Jeanne Lanvin)، التي أسست أحد أوائل خطوط أزياء الأطفال الفاخرة عام 1908، بعد ولادة ابنتها الوحيدة مارغريت عام 1897.
واعتمدت لانفان على استخدام الأقمشة الفاخرة والتصاميم المتقنة نفسها التي اشتهرت بها مجموعاتها النسائية، مع تبسيطها لتناسب الأطفال.
وأصبحت مارغريت بمثابة «نسخة مصغرة» من والدتها، وظهرتا معاً في مناسبات عديدة بملابس منسقة. حتى إن صورة التُقطت لهما عام 1907 ألهمت الشعار الشهير لدار «لانفان»، الذي لا يزال مستخدماً حتى اليوم.
ومع ذلك، بقيت هذه الموضة محصورة بالطبقات الثرية بسبب ارتفاع أسعارها، قبل أن تتراجع مع الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
-
صورة جان لانفان وابنتها مارغريت عام 1907 ألهمت الشعار الشهير لدار «لانفان»
هوليوود تدفع الظاهرة إلى الانتشار
في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، بدأت موضة الأم والابنة تكتسب زخماً بفضل هوليوود وآلتها الإعلامية القوية. فقد ظهرت الممثلة الأميركية جوان بينيت وابنتاها عام 1935 في صور دعائية بملابس متناسقة، ما ساهم في تعميم الفكرة لدى الجمهور.
وفي عام 1938، أشارت مجلة Life إلى أن هذه العادة لم تصبح شعبية فعلياً إلا خلال ذلك الصيف.
ورأت المجلة أن سر جاذبية هذه الموضة يكمن في أنها تجعل الأم تبدو أصغر سناً، إذ كان الشعار الضمني: «أن تبدو الأم شبيهة بابنتها يعني أن تبدو أكثر شباباً».
وخلال الأربعينيات والخمسينيات، أصبحت الملابس المتطابقة أكثر طفولية، مع انتشار الفساتين المزينة بالكشاكش والأشرطة والأكمام المنتفخة، في محاولة لإبراز حيوية الأم وشبابها.
وخلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، اكتسبت الظاهرة بُعداً اجتماعياً جديداً. فقد روجت مجلات نسائية مؤثرة، مثل Ladies’ Home Journal، لصورة الأسرة المثالية من خلال أغلفة تصور أمهات وبنات يرتدين الملابس نفسها أثناء ممارسة الأنشطة المنزلية والترفيهية، مثل الخَبز وركوب الدراجات والتزلج وحياكة الملابس.
وبحسب مؤرخة الأزياء جينيفر فارلي غوردون، فإن هذا النوع من الأزياء كان يزدهر عادة خلال الفترات التي يزداد فيها التركيز الثقافي على الأسرة والعلاقة بين الأم وابنتها. كما كان يمثل مؤشراً على الرفاهية، لأن تنسيق الملابس المتطابقة يتطلب وقتاً أو موارد مالية إضافية.
وخلال الحرب العالمية الثانية، ازدادت شعبية هذه الموضة بوصفها رمزاً للوحدة والتعاون الأسري، لا سيما مع تشجيع الخياطة المنزلية كجزء من المجهود الوطني.
الانتقادات والتراجع
رغم انتشارها الواسع، لم تحظَ هذه الموضة بإجماع داخل قطاع الأزياء. فقد رأى بعض المصممين أن التطابق الكامل بين الأم وابنتها يبدو غير منطقي بسبب فارق العمر الكبير بينهما.
ومن أبرز المنتقدين المصممة هيلين لي، إحدى أشهر مصممات ملابس الأطفال في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، التي وصفت الظاهرة بأنها «مصدر إزعاج دائم»، مؤكدة أن أحد الطرفين سيبدو غير مناسب لعمره في كثير من الأحيان.
ومع صعود المرأة العاملة في سبعينيات القرن الماضي وتغير صورة المرأة في المجتمع، بدأت موضة الأم والابنة تفقد بريقها. فاتجهت النساء نحو الأزياء العملية والمهنية، مثل البدلات والتنانير متوسطة الطول، فيما ارتبطت صورة الأم أكثر بالاستقلالية والعمل خارج المنزل.
العودة في عصر «إنستغرام»
شهدت السنوات الأخيرة عودة قوية لهذه الظاهرة، مدفوعة بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة المشاهير. فقد ساهمت نجمات مثل بيونسيه وابنتها بلو آيفي، وكيم كارداشيان وابنتها نورث ويست، في إحياء مفهوم «التوأمة» في الأزياء، محققات ملايين المشاهدات والتفاعلات عبر الإنترنت.
-
بيونسيه وابنتها بلو أيفي
كما دخلت علامات فاخرة مثل «غوتشي» و«دولتشي آند غابانا» و«لانفان» سوق أزياء الأطفال الفاخرة، فيما قدمت علامات جماهيرية مثل Target وVictoria Beckham خيارات أكثر سهولة للمستهلكين.
ولم يعد هذا الاتجاه مقتصراً على الأمهات والبنات، بل توسع ليشمل العائلة بأكملها من خلال مجموعات منسقة للآباء والأبناء والإخوة.
