كأس العالم 2026: إسبانيا تمتلك أقوى خط وسط
يقف القائد رودري في قلب هذه المنظومة. فصاحب المركز الثاني في جائزة The Best من FIFA لأفضل لاعب لعام 2024 يُعد المحرك الرئيسي لخط وسط «لا روخا»


ارتبطت بعض المراكز في كرة القدم منذ فترة طويلة بدول معيّنة. فأفضل الأظهرة في اللعبة صُقلت مهاراتهم على شواطئ البرازيل، وأقوى المدافعين في العمق تخرّجوا من المدرسة التكتيكية الإيطالية الصارمة.
أما الأرجنتين، فلطالما اشتهرت بصنّاع الألعاب أصحاب الرقم 10 القادرين على ابتكار الحلول من العدم. ومنذ عام 2010، عندما قاد جيل ذهبي إسبانيا إلى المجد في كأس العالم، أصبحت هوية «لا روخا» مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمركز واحد أكثر من أي مركز آخر: لاعب الوسط.
تشافي، أندريس إنييستا، تشابي ألونسو، سيرجيو بوسكيتس، سانتي كازورلا، سيسك فابريغاس، تياغو ألكانتارا، كوكي، داني باريخو... أسماء تعكس ثراء إسبانيا الاستثنائي في مركز خط الوسط خلال العقود الأخيرة. فقد رسّخ عدد منهم مكانته بين أساطير اللعبة، ومع ذلك لم يتوقف خط إنتاج المواهب. إذ يملك المدرب لويس دي لا فوينتي جيلاً جديداً من اللاعبين المتعطشين لترك بصمتهم الخاصة والسير على خطى أسلافهم. وبعد التتويج بلقب بطولة أمم أوروبا، تتجه أنظارهم الآن نحو كأس العالم 2026.
ويقف القائد رودري في قلب هذه المنظومة. فصاحب المركز الثاني في جائزة The Best من FIFA لأفضل لاعب لعام 2024 يُعد المحرك الرئيسي لخط وسط «لا روخا». ورغم معاناته من إصابة في الركبة أبعدته عن الملاعب لمدة عام كامل، فإن ابن مدريد يستعد للعب دور محوري من جديد. وإلى جانبه، رسّخ كل من بيدري وفابيان رويز ومارتين زوبيميندي مكانتهم ضمن الركائز الأساسية في تشكيلة لويس دي لا فوينتي. لكن الخيارات لا تتوقف عند هذا الحد، إذ يبرز خلفهم جيل آخر من المواهب الواعدة، يتقدمه غافي وبابلو باريوس وغابري فيغا، وجميعهم يتطلعون إلى فرض أنفسهم في هذه النسخة من كأس العالم أو في النسخ المقبلة.
لكن ما السر وراء قدرة إسبانيا على إنتاج لاعبي وسط بهذه الجودة جيلاً بعد جيل؟ كارليس مارتينيز، المدرب الحالي لتولوز الفرنسي وأحد العاملين سابقا في أكاديمية برشلونة، عايش هذه المنظومة عن قرب. وبرأيه، لا يعود الأمر إلى نادٍ بعينه، بل إلى فلسفة مشتركة تمتد عبر مختلف مستويات كرة القدم الإسبانية.
وقال مارتينيز في حديثه إلى موقع الاتحاد اللبناني لكرة القدم FIFA: «أحد أبرز الفروق التي الاحظها لدى اللاعبين الإسبان، وخاصة لاعبي الوسط، هو فهمهم العميق للعبة. فهناك تركيز كبير على شرح الأسباب وراء كل قرار أو تصرف داخل الملعب. إذا فعلت هذا، فسيؤدي إلى ذلك، ومن ثم إلى أمر آخر. فالتدريب في النهاية امتداد لعملية التعلّم، وكلما فهمت سبب قيامك بشيء ما، أصبحت قادراً على تنفيذه بصورة أفضل».
ومع ترسيخ هذه الفلسفة منذ المراحل الأولى لتكوين اللاعبين، ليس مستغربا أن يتمتع لاعبو الوسط الإسبان بهذا الإحساس الطبيعي بالكرة وبما يدور حولهم في الملعب. ويرى مارتينيز أن هذا المركز لا يمكن تعليمه بمعزل عن سياق اللعبة، بل لا يُفهم إلا من خلال ممارستها.
وقال: «لاعبو الوسط هم قلب الفريق، فكل شيء يمر عبرهم. وهذا الفهم يتشكل من خلال الاحتكاك المستمر بمختلف مواقف اللعب، سواء في تدريبات الروندو، أو اللعب التمركزي، أو تمارين التقدم بالكرة، أو أثناء المباريات، حيث يتعين على اللاعب التكيف باستمرار مع المتغيرات».
وبالنسبة لمارتينيز، لا يوجد فصل بين الجانب الفني والجانب التكتيكي. وأضاف: «كلما كان تمركزك أفضل، أصبحت لمستك الأولى أفضل، وتمريراتك أكثر دقة، وقراراتك وتنفيذك أكثر جودة».
يشكل هذا النهج الشامل أحد أسرار استمرارية إسبانيا في إنتاج لاعبي الوسط على أعلى مستوى. فالأسماء تتغير مع مرور الوقت، لكن الأسلوب يبقى ثابتا. ويختصر مارتينيز هذه الفلسفة بعبارة يكررها دائما على لاعبيه: «كن واضحا بشأن خطوتك التالية. راقب ما حولك، وفكّر، واتخذ قرارك قبل أن تصلك الكرة».
وقال: «أي لاعب لا يستطيع التفكير بسرعة، أو اللعب بسرعة، أو إيجاد الزميل غير المراقب، سيتخلف عن الركب». ورغم صعوبة هذا المعيار، فإنه متجذر في مختلف مستويات كرة القدم الإسبانية. والنتيجة هي هوية واضحة يسهل تمييزها.
وأضاف مارتينيز: «وجدت إسبانيا إيقاعها الخاص. اللاعبون يأتون ويرحلون، لكن المنظومة تبقى قائمة. فهم يدركون متطلبات اللعبة ويجدون حلولًا لأي تحديات يفرضها المنافس».
ويتبنى تيتو بلانكو رؤية مشابهة. فلاعب الوسط السابق الذي تدرج في صفوف برشلونة، وعمل مؤخرا منسقا لمنتخبات الفئات السنية الإسبانية، يؤكد أن هناك جهدا مقصودا لتوحيد فلسفة اللعب عبر مختلف المنتخبات الوطنية.
وقال بلانكو: «حاولت وضع تصور لتشكيلة أساسية تمتد من منتخبات الفئات السنية وصولًا إلى منتخب تحت 21 سنة، مع تحديد الخصائص المطلوبة لكل مركز».
وفي هذا النموذج، يتمحور كل شيء حول خط الوسط. ويشير بلانكو إلى الاعتماد على الرسم التكتيكي المعتاد 4-3-3، القائم على ثلاثة أدوار رئيسية: «لاعب رقم 6 على شاكلة رودري، ولاعب رقم 8 بمواصفات بيدري، ولاعب رقم 10 بأسلوب داني أولمو أو فيرمين لوبيز».
وتقع على عاتق هذه المراكز مسؤولية إدارة إيقاع المباراة والتحكم بمجرياتها، إذ يبقى فرض السيطرة على اللعب الهدف الأهم. وقال بلانكو: «نريد الاستحواذ على الكرة، وصناعة الفرص، والحفاظ على الاستحواذ. فكلما امتلكت الكرة لفترة أطول، قلت قدرة المنافس على إيذائك».
لكن هذا التحكم لا يقتصر على ما يفعله اللاعب عند امتلاك الكرة. فقد شدد بلانكو أيضاً على أهمية اليقظة الدائمة والاستعداد للدفاع حتى أثناء الاستحواذ. وقال: «بالنسبة لي، من الضروري أن يترك قلبا الدفاع ولاعبو الوسط أقل مساحة ممكنة أمام أي منافس قد ينطلق في هجمة مرتدة».
وهنا تبرز سمة أخرى تميز لاعب الوسط الإسباني الحديث: ليس فقط الجودة الفنية، بل الذكاء الكروي أيضا. وأضاف بلانكو: «غالباً ما يمتلك لاعبو الوسط الموهبة الفنية بالفطرة، لكن أولئك الذين يطورون فهمهم التكتيكي يصبحون أفضل بكثير».
ويواجه دي لا فوينتي اليوم معضلة مألوفة عند اختيار تشكيلته. فبينما يغيب فيرمين لوبيز بسبب الإصابة، لا يزال المدرب يمتلك وفرة كبيرة من الخيارات في خط الوسط. فإلى جانب رودري وبيدري وزوبيميندي وفابيان رويز وميكيل ميرينو، الذي تعافى مؤخراً واستعاد جاهزيته، تضم القائمة أيضاً أليكس باينا وغافي وماركوس يورينتي، وإن كان الأخير مرشحًا للعب في مركز الظهير الأيمن أكثر من خط الوسط.
ليست مهمة سهلة، لكنها تعكس بوضوح حجم القوة التي يتمتع بها المنتخب الإسباني. فالتحدي لا يكمن في إنتاج لاعبي وسط جدد، بل في كثرتهم وصعوبة الاختيار بينهم. ومن الجيل الذي غيّر نظرة العالم إلى «لا روخا» وصولًا إلى الجيل الحالي الساعي وراء لقب جديد في كأس العالم، يبقى الخيط المشترك حاضراً: لاعبون يعرفون ما سيفعلونه قبل وصول الكرة إليهم، ويقرؤون المساحات قبل التحرك إليها، ويحوّلون الاستحواذ إلى أداة لصناعة الفارق.
وسيظل خط الوسط نقطة الانطلاق الرئيسية للمنتخب الإسباني، فهذه ليست ظاهرة عابرة، بل سمة راسخة في هوية الكرة الإسبانية.


