سياق غزوة جماعة الشرع لمسيحيي حماة


الغزوة الفاشيّة الأخيرة، في ريف حماة الغربي، تبدو هذه المرّة أكثر انكشافاً من أيِّ وقتٍ مضى. الذرائع السابقة التي سِيقَت لتبرير المجازر، في الساحل والسويداء، لم تعد تعمل كما يجب، في أماكن ليس فيها نزعات نحو الاستقلال والفدرلة، أو شُبُهات بالعلاقة مع النظام السابق. وحتى النُخَب الموالية للنظام نفسها، من ضمن بيئة الأكثرية، بدت في سياق كلّ التصعيد الحاصل على خلفية قرار محافَظة دمشق بتقييد المشروبات الكحولية، وما تلاه من اعتصامات مدنية واعتصامات "مضادّة" سَلَفية، وكأنها بصدد التنصُّل التدريجي، ليس فقط من تأييدها السابق للنظام، بل كذلك من التغطية الكاملة التي أبدَتها، لجلّ أعمال الإبادة والتطهير العرقي، منذ بدايتها في الساحل في آذار من العام الماضي.
ثمّة خلفيات للانفجار الحاصل حالياً في علاقة النظام بـ«البيئة المسيحيّة»، وهي ليست مرتبطة بالضرورة بـ«المسألة الطائفية»، إذا صحّت تسميتها كذلك. الانهيار الاقتصادي الحاصل حالياً على خلفية الحرب الإمبريالية الأميركية ضدّ إيران، أسقَطَ من يد السلطة ورقة التغطية الخليجية، سواء المالية المباشِرة عبر المدفوعات السعودية والقطرية، أو النفطية من خلال الشحّ الحاصل في شحنات النفط والغاز التي كانت تصل تباعاً إلى البلاد، قبل إقفال إيران لمضيق هرمز أمام حركة الشحن والملاحة الدوليتين. فقاعة الريع التي غذّت شرايين الاقتصاد السوري، طوال المرحلة التي أعقَبَت سقوط النظام السابق، انتهت مع اندلاع الحرب في إيران. هذا لم يعطّل فحسب التدفُّقات النقدية التي كانت تأتي من الخليج، مصحوبةً بتسهيلات في المدفوعات لقاءَ الشحنات النفطية والغازيّة، بل كذلك سرَّعَ أكثر من أيِّ وقتٍ مضى في إزالة الغطاء المدني الهشّ الذي كانت توفّره الدعاية الليبرالية النفطية للحكم الديني الحالي.
التعايُش الذي كان قائماً طوال سنة ونصف تقريباً بين السَلَفية السلطوية والليبرالية المدعومة خليجياً لم يستطع تجاوُز مفصل الحرب ضدّ إيران، لأسباب تتصل بالبنية الهشّة التي قام عليها هذا التضافُر أو التخادُم بين المشروعين، إذا صحّ التعبير، فحصَلَ الانفصال لدى أول تمادٍ من النظام في المسّ بالحريات الشخصية، على خلفية قرار تقييد بيع الكحول في العاصمة دمشق.
الشرارة التي اندلعت من احتجاج باب توما ضدّ قرار محافظ دمشق بتقييد تداول الكحول، حَصَلت في "منطقة آمنة" نسبياً، فالسلطة في طورها الهشّ حالياً أضعف بكثير من أن تتحمّل كلفة قمع دموي جديد لاحتجاج يقع في صُلب العاصمة التي تسيطر عليها أمنياً وسياسياً.
الفشل لم يقتصِر على اعتصام ساحة العباسيين المضادّ لتحرّك باب توما بل توسَّعَ كذلك ليشمل الدعوات إلى الحشد في المحافظات التي يملك فيها السَلَفيون قاعدة فعلية
على أنّ مشهد الاحتجاج السلمي المدني بحدّ ذاته لم يُرِح قواعد النظام المتشدّدة بعدما اعتادت، طوال عامٍ من سياسات الإبادة والمجازر والتطهير العرقي، على الإذعان والخضوع كردّ فعل جمعي سالب، مع استثناءات محدودة تتعلّق بالسويداء ومناطق شمال شرق سوريا.
كان لا بدّ، بهذا المعنى، من عدم تمرير الأمر بسهولة حتى لا يتحوَّل ذلك إلى تقليدٍ أو نَسَق متكرّر يُضعِف من فعالية سياسات الهوية الإبادية المنتهَجة منذ عام ونيف، ويضَع كوابح أمام قدرة النظام الكبيرة على التلاعب بالجماعات والطوائف، وتأليبها ضدّ بعضها البعض بغرض إدامة سيطرته القروسطية على مجمل الجغرافيا الاجتماعية السورية.
الاعتصامات المضادّة لاعتصام باب توما لم تؤتِ أُكُلها، لأنّ التعبئة حَصَلت في بيئات مدينية لا تتجاوب بسهولة مع الدعاية السلفية، فضلاً عن الأولويات الحالية بالنسبة إلى أكثرية السوريين، والتي تقع بفعل تفاقم الأزمة الاقتصادية خارج إطار سياسات الهويّة الاستقطابية التي تحاول قاعدة النظام الضيّقة حشرَهم فيها.
والحال أنّ الفشل لم يقتصِر على اعتصام ساحة العباسيين المضادّ لتحرّك باب توما، بل توسَّعَ كذلك ليشمل الدعوات إلى الحشد في المحافظات التي يملك فيها السَلَفيون قاعدة فعلية، مثل حماة وحمص وإدلب وسواها من المحافظات. الاعتصامات هذه التي أعقَبت صلوات الجمعة لم تستطع أن تحشد أكثر من مئتي شخص في كلّ تجمّع، ومع ذلك كان هذا التحشيد الضئيل كافياً، على ضيقه ومحدوديّته، لشدّ عصب الاستقطاب الذي يتغذّى على خطاب الكراهية، بحيث يمكن استثماره في لحظة لا يكون فيها الوعي الاجتماعي العامّ قادراً، كالعادة، على التجاوز والمضيّ قُدُماً.
تقاطَعَ ذلك مع تكرار حوادث التحرُّش بالفتيات في ريف حماة الغربي، بحيث أصبحت هذه الظاهرة، التي كانت تُعالَج عادةً بإجراءات أمنية أو جلسات صلح عشائرية، مدخلاً لتوسيع الاستقطاب الاجتماعي الحادّ ضد «البيئات المسيحيّة»، بوصفها الحاضنة الأكبر للتقليد التحرّري الاجتماعي، الذي تعتبره القاعدة السَلَفية الأكثر تشدّداً للنظام مسّاً مباشراً بمنهجها القروسطي.
على أنّ حصول الغزوة الفاشيّة الأخيرة للسقيلبية على هذه الخلفية من التقاطعات، لم يُفِد البنية الصلبة للنظام في شيء بقدر ما ساهَمَ في التخفيف من وطأة سياسات الهوية الإبادية على البيئة الجديدة التي دخلت في نطاق المظلومية والاضطهاد. النَسق أو النمط اللذان استقرّا مع مجازر الساحل والسويداء لم يشملا الغزوة الجديدة، على اعتبار أنّ المجزرة المحتَملة لم تقع بفعل انثلام أداة التلويح بالمجازر والإخضاع الدموي، وكون البنية الفاشية التي صَدَرت عنها كل هذه الأعمال الإبادية هي نتاج الغرب نفسه الذي يحمي النظام من ناحية، وينهاه من ناحية أخرى عن التعرَّض للمسيحيين، بالشكل الذي حَصَل مع بيئات أخرى لا يتوافر لها المقدار ذاته من الغطاء الرمزي، حتى لو لم يكن فاعلاً كما يجب، بوجود بنية فاشيّة متفلّتة كهذه.
* كاتب سوري
