
كشف مصدر دبلوماسي عربي، لـ«الأخبار»، أن معركة صامتة تدور على هامش الحرب القائمة في المنطقة، تتمثل في نقاشات جارية لدى صنّاع القرار في «دول مجلس التعاون الخليجي» بشأن اتفاقيات لضمان أمنها، سبق أن وُقعت مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في مواجهة أيّ أخطار خارجية. وأشار المصدر إلى أنه في مقابل حملة قمع كبيرة جارية في الإمارات والكويت والبحرين، فإن تلك الأصوات تبدو مسموعة في السعودية وقطر، مبيّناً أن كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين في الرياض والدوحة لا يعرفون كيفية تقديم الإجابات عن الدفاعات المفترض توفيرها لحماية المصالح الوطنية الكبرى في ظلّ الحرب القائمة.
ولفت المصدر إلى تطورات جارية على وجه الخصوص في قطر، حيث تُرجم النقاش العلني بشأن الموقف من الحرب إلى خطوات انعكست في الوسائل الإعلامية التي تمولها الإمارة؛ علماً أن تعديلات كبيرة سبق أن حصلت داخل قناة «الجزيرة» خصوصاً، بعد إعلان وقف إطلاق النار في غزة، شملت إبعاد مجموعة كبيرة من الصحافيين المقرّبين من حركة «حماس»، وذلك لمصلحة مجموعة جديدة هي أقرب إلى التيار الليبرالي الذي لا يُظهر تعاطفاً جدياً مع حركات المقاومة. وطالت التغييرات ابتداءً شبكة مراسلي القناة في فلسطين، ثمّ تطور الأمر ليشمل مراسليها في دول عربية وغربية، قبل أن ينتقل إلى الضيوف الذين سبق لـ«الجزيرة» أن اعتمدتهم كمحللين دائمين.
وبحسب مصادر إعلامية في قطر، فإن السلطات الأمنية تمارس رقابة مفاجئة على المقيمين كما على المواطنين، وهي تمنع أي مشاركة في نقاش نقدي لموقف «مجلس التعاون» من الحرب على إيران، كما تمنع بشكل خاص توجيه انتقادات إلى دولة الإمارات. ووفقاً للمصادر، فقد تمّ استدعاء المئات من المقيمين العرب في الجزيرة، على خلفية بيانات نشروها على صفحات التواصل الاجتماعي، في حين تمّ ترحيل العشرات منهم فوراً.
طردت الدوحة العشرات وحققت مع المئات من الذين ينتقدون الحرب على إيران
وفيما يدور تنافس جدي بين «الجزيرة» وقناة «العربي» التي تتبع لمجموعة يديرها مدير «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» عزمي بشارة، فإن الجدل في أوساط فريق وزارة الخارجية لا يزال مستمراً، خصوصاً وأن الضربات التي تتعرّض لها المصالح الأميركية في قطر لم تتوقف. وبحسب المصدر الدبلوماسي العربي، فإن المسؤولين القطريين يقرّون بأن إيران تستهدف بشكل مركّز مواقع ومصالح تخص الولايات المتحدة وبريطانيا، وأن ما يصيب المصالح القطرية لا يبدو متعمداً. لكن ذلك لا يمنع قيادة الدولة من إصدار بيانات رفض لما تقوم به إيران؛ علماً أن قطر، كما سلطنة عمان، رفضت محاولة أميركية للدفع في اتجاه اتخاذ مواقف تصعيدية ضدّ طهران، من مثل إعلان قطع العلاقات معها ووقف التمثيل الدبلوماسي لديها.
أما المعركة «الصامتة»، فهي تقوم على برامج الدفاع المشترك بين قطر والولايات المتحدة. إذ يحاول القطريون استثمار الاتفاق السياسي الذي حصلوا عليه بعد العدوان الإسرائيلي على قطر أواخر الصيف الماضي، والذي استهدف قيادة حركة «حماس» في الدوحة، حيث تعهد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقتذاك، بأن بلاده ستضمن عدم تكرار إسرائيل للعدوان على قطر، قبل أن يوقّع على اتفاقية ذات بعد أمني، هدفها توفير حماية للجزيرة.
والجدير ذكره، هنا، أن هذه الاتفاقية كانت عبارة عن قرار تنفيذي أصدره ترامب في 29 أيلول الماضي، تضمن إطاراً للعلاقة التي تربط الولايات المتحدة مع قطر، ومما ورد فيه: «على مرّ السنين، ارتبطت الولايات المتحدة ودولة قطر بعلاقات وثيقة من خلال التعاون الوثيق والمصالح المشتركة والعلاقة المتينة بين قواتنا المسلحة. وقد استضافت دولة قطر القوات الأميركية، ومكّنت من تنفيذ عمليات أمنية حيوية، ووقفت كحليف ثابت في سعيها إلى تحقيق السلام والاستقرار والازدهار، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه، بما في ذلك دورها كوسيط ساعد الولايات المتحدة في مساعيها لحل النزاعات الإقليمية والعالمية المهمة.
واعترافاً بهذا التاريخ، وفي ضوء التهديدات المستمرة التي تواجه دولة قطر جراء العدوان الخارجي، فإن سياسة الولايات المتحدة هي ضمان أمن دولة قطر وسلامة أراضيها ضد أي هجوم خارجي». وبحسب القرار نفسه، فإن الولايات المتحدة «تعتبر أيّ هجوم مسلح على أراضي دولة قطر أو سيادتها أو بنيتها التحتية الحيوية تهديداً لسلامها وأمنها. وفي حال وقوع مثل هذا الهجوم، تتخذ الولايات المتحدة جميع التدابير القانونية والمناسبة، بما في ذلك التدابير الدبلوماسية والاقتصادية، والعسكرية عند الضرورة، للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة ودولة قطر، ولإعادة السلام والاستقرار». وأشار إلى تكليف وزارات الدفاع والخارجية والمخابرات بـ«وضع خطط طوارئ مشتركة مع دولة قطر لضمان استجابة سريعة ومنسقة لأي عدوان أجنبي على دولة قطر».

