هؤلاء الحمقى لا يعرفون الشعب الإيراني: كيف واجه الإيرانيون صدمة استشهاد الخامنئي؟
مقالة من الشارع الإيراني فيها قراءة في وقع استشهاد السيد علي الخامنئي على الشعب، وكيف تحوّلت الصدمة والحزن إلى حضور شعبي واسع أحبط رهانات الفوضى والانقلاب.


«هؤلاء الحمقى لا يعرفون الشعب الإيراني»، بهذه العبارات قالها الشهيد قائد الثورة الإسلامية الإيرانية، علي الخامنئي، في أعقاب أحداث الشغب التي جرت في الخريف عام 2022. نستعيدها اليوم وكأنها نبوءة قبل أوانها أو تشخيص لمرض لم تظهر أعراضه بعد.
وها هم، أي الحمقى نفسهم، اليوم قد تورّطوا مرة أخرى في نفس الورطة التي وقعوا فيها عدة مرات من قبل، غير أن الخطّة هذه المرة كانت قد رُسمت بإحكامٍ غير معهود، والضربة جاءت من حيث لا يُتوقّع، وكأن العدوّ قد استنفد كلّ أوراقه ليلعب هذه المرة بورقته الأخيرة.
بصفتي مواطنًا إيرانيًا، وُلد وترعرع في ظل قيادة السيد علي الخامنئي، كنت أتحاشى دائمًا فكرة غياب القائد الشهيد على رأس الدولة، فكل اغتيال أو رحيل أو غياب لم يكن في رأيي ليزعزع إرادة الشعب ويذهب به إلى متاهات لا تُحمد عقباها سوى فقدانه، فكنت كلّما راودتني فكرة رحيله أحسست بضيق يعتصر صدري وكأن قلبي يكاد يخرج من بين أضلاعي، فكنت أتجاهل الموضوع وأصرف ذهني عنه هربًا مما لا أطيق تصوّره.
«هؤلاء الحمقى لا يعرفون الشعب الإيراني»
استشهاد الخامنئي: صدمة اليُتم وسؤال المصير
في فجر يوم الأحد، الثاني من مارس، هوى الخبر على الشعب الإيراني كالصاعقة؛ خبر استشهاد قائده العظيم، فعمّ شعور باليُتم كل ربوع البلاد، وخيّم الحزن على القلوب قبل أن يخيّم على الشوارع. لقد ظل سؤال يلحّ عليّ ولا يفارقني: «هل ينهض هذا الشعب من وقع هذه الصدمة يا تُرى؟»
لقد وقع ما كنّا نتهرّب منه سنوات وسنوات... كان القائد كهفًا حصينًا نلوذ به عند المحن، وسكينة تهبط على القلوب حين تضطرب الأحوال، وبوصلةً لا تُخطئ الاتجاه حين يُلبّد الغيمُ الأفق. هذا ما اعتاده كل مواطن إيراني على مدى عقود متعاقبة. فمن الذي يطمئننا الآن ويبث السكينة فينا في هذه الساعة الحرجة؟
-
(من الويب)
كان السيد علي الخامنئي مربّيًا، قبل أن يكون قائدًا. فإذا أمعنا النظر في كلمات القائد الشهيد على امتداد قرابة أربعة عقود، وجدنا أن «الشعب» كانت الكلمة المفتاحية الأكثر تكرارًا فيها، ما يدل على مدى اهتمامه وإيمانه بالشعب الإيراني، وثقته الراسخة في قدرته على حمل الأمانة.
«عندما يدخل الشعب الميدان، ويحسم قراره، يُطفئ النيران ويحوّل اللهيب إلى رماد»
ربّى القائد الشهيد أمته لاستقبال مثل هذا اليوم. ومن اللافت أن سماحته أشار إلى هذا المعنى قبل استشهاده بشهر، في الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلامية، حين قال: «عندما يدخل الشعب الميدان، ويحسم قراره، يُطفئ النيران ويحوّل اللهيب إلى رماد. هذا ما حدث هذه المرة أيضًا. بعد ذلك، وبتوفيق من الله، إذا ما واجهت البلاد حادثةً ما، فإن الله المتعالي سيبعث هذا الشعب ليتصدّى لهذه الأحداث، والشعب هو من سيحسم الأمر». إذ كان على قناعة بأنه قد أكمل المهمة، وقد نهض بالشعب حتى بلغ من النضج والوعي درجة تمكنه من إدارة الحكم بنفسه، وتجاوز العواصف مهما اشتدّ هبوبها.
الشعب الإيراني بين الحزن وامتحان المواجهة
فعلًا تمكن الشعب من احتواء الضربة الأولى، رغم جسامتها، بنجاح. فتحولت مشاهد الحزن والمآتم إلى ملاحم للثأر لتوفّر الوقود اللازم للصواريخ الإيرانية التي تدك القواعد الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. كانت الخطة التي دبّرها العدو ونسجها بخيوط الغدر مركبة من عدة أجزاء، وقد كان يمثل أحد أجزاءها إرسال عناصر مسلحة عميلة، تتربّص لحظة الفراغ، إلى الشوارع، لتُشعل فتيل الفوضى وتمهّد السبيل لانقلاب على الحكم.
غير أن الشعب الإيراني كان لهذه الخطة بالمرصاد، إذ تلقّفها بوعي وبصيرة، فاندفع إلى الشوارع في كل ليلة منذ اندلاع الحرب، يملأ الميادين بأجساده وأصواته، غير مبالٍ بهدير المقاتلات الأمريكية والصهيونية فوق رأسه، ولا بأزيز المسيرات التي تشقّ عتمة السماء، تلبيةً لنداء قائد القوة الجو-فضائية للحرس الثوري، العميد مجيد موسوي، والذي خاطب الشعب الإيراني، محذّرًا محاولات العدو لزرع الفتنة وإحداث الفوضى في صفوف الشعب: «لكم الشوارع، ولنا الميدان».
بنى العدو حساباته بدقةٍ بالغة على صورةٍ ماثلة في ذهنه: شعبٌ منهَك، مسحوقٌ تحت وطأة سنواتٍ من الحصار الاقتصادي الخانق، لا طاقة له على النهوض ولا رغبة في تأييد الحكم القائم، غير أن هذا الشعب أبطل تلك الحسابات كلّها دفعةً واحدة، وقلب المعادلة رأسًا على عقب. وهنا تتردد في مسامعي من جديد تلك المقولة التي طالما أطلقها القائد الشهيد: «هؤلاء الحمقى لا يعرفون الشعب الإيراني».
*كاتب إيراني وباحث في الفلسفة
